الصدام العسكري مع كوريا الشمالية ليس خيارًا

21 مارس 2017, 9:34 ص

 

 

 

رصد الكاتب البريطاني جدعون راخمان تشبيه وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، للتوتر القائم بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية بـقطارين مسرعين في طريقهما للصدام وليس لدى أي منهما الرغبة في تفادي ذلك المصير.

وقال راخمان -في تعليقه بصحيفة الـفاينانشيال تايمز- إن حقيقة أن قائدَي القطارين هما “كيم يونج أون” ودونالد ترامب لا تبعث على الطمأنينة في نفوس ذوي المزاج العصبي.

ورصد راخمان كذلك صافرة إنذار أطلقها “القطار الأمريكي” مؤخرا على لسان وزير الخارجية ريكس تلرسون الذي أعلن أن زمن “الصبر الاستراتيجي” الأمريكي إزاء كوريا الشمالية قد انتهى، مؤكدا أن واشنطن تبحث كافة الخيارات بما في ذلك توجيه ضربات عسكرية.

وقال راخمان إن تصريح تلرسون يعكس رأي الحزبين الجمهوري والديمقراطي في أمريكا إزاء الطموحات النووية الكورية الشمالية من حيث أنها يجب أن تُكبح؛ ويُعتقد على نطاق واسع بأن نظام كيم يونج أون بات قريبا من تطوير صاروخ باليستي عابر للقارات قادر على تهديد الشاطئ الغربي للولايات المتحدة، وهو ما لا يمكن لأي رئيس أمريكي أن يغضّ الطرف عنه- كما هو متفق عليه في واشنطن.

ويُلوّح تصريح تلرسون ضِمنا، بحسب الكاتب، إلى أنه حال فشل الولايات المتحدة في إيقاف كوريا الشمالية عبر مسار الضغط الاقتصادي والدبلوماسي فإنها ستعمد إلى الإقدام على عمل عسكري؛ لكن فكرة ضرْب برنامج كوريا الشمالية النووي تنطوي على حماقة محفوفة بالمخاطر، وقد عرضتْ تلك الفكرة مِرارًا طوال العشرين عاما الماضية على مُخيّلة الإدارات الأمريكية لكنها كانت تستبعدها دائما لأسباب وجيهة.

وأوضح راخمان بأن أماكن المنشآت النووية والصاروخية الكورية الشمالية متفرقة على نطاق واسع بما في ذلك تحت الأرض وتحت سطح الماء بحيث يتعذر تدميرها جميعا في غارة واحدة من الضربات، وهو ما يثير على الفور هاجس خطر التعرض لردّ انتقامي من جانب بيونج يانج.

وحتى إذا ما استطاعت الولايات المتحدة بأعجوبة أن تدمر البرنامج النووي الإيراني كله بضربة واحدة، فإن بيونج يانج لا يزال لديها ترسانة مدفعية قوية قادرة على توجيه قذائف مدمرة صوب العاصمة الكورية الجنوبية سيول ذات العشرة ملايين نسمة على بُعد 35 ميلا فقط من الحدود الكورية الشمالية، كما أن اليابان ستكون هي الأخرى عُرضة لهجمات من النوع ذاته ، وكذلك القواعد الأمريكية المرابطة في المنطقة.

لهذا السبب تحديدا، استبعد صاحب المقال أن تجد الولايات المتحدة دعمًا من جانب حلفائها الآسيويين إذا ما هي وجهّتْ ضربة وقائية ضد كوريا الشمالية؛ إن طوكيو وسول تعلمان جيدًا أن حربًا في شبه الجزيرة الكورية قد تُكلف أكثر من مليون قتيل، كما أن حربا كتلك قد تجذب الصين التي هي جارٌ وحليفٌ رسمي لكوريا الشمالية؛ كما أنه من الجدير بالذكر في هذا السياق الإشارة إلى أن آخر مرّة تقاتلت فيها قوات أمريكية مع أخرى صينية كانت ساحة القتال هي شبه الجزيرة الكورية في الخمسينيات من القرن الماضي.

وعليه، رأى الكاتب، أن فكرة عدم استطاعة أمريكا أن تغض الطرف عن حيازة كوريا الشمالية صاروخا باليستيا عابرا للقارات – هذه الفكرة تحتاج إلى إعادة النظر؛ فمنذ حقبة الستينيات والولايات المتحدة متعايشة مع مسألة حيازة روسيا لصواريخ نووية قادرة على تدمير معظم البلاد، واليوم أمريكا وحلفاؤها متعايشون مع مسألة إنتاج باكستان للأسلحة النووية رغم ما هو معروف عن أن (باكستان) هي قاعدة لعدد من أخطر الحركات الإسلامية في العالم.

ورصد صاحب المقال احتجاج البعض بأن “سيناريو كوريا الشمالية مختلف لأن كيم يونج أون “مجنون”، لكن المزاعم الشبيهة بأن زعيما أجنبيا مجنونٌ هي علامة مؤكدة على خمول التفكير الذي قاد الغرب من قبل إلى كوارث في العراق وليبيا، إن كيم يونج أون هو شريرٌ متحجر القلب مستوحشٌ، لكن ثمة خيطا متسقا يظهر واضحا عبر أفعاله وهو تصميمٌ مطلق على ضمان بقاء نظامه، وهذا ما يفسر إقدامه على قتل أي منافس محتمل والاندفاع صوب تأمين رادع نووي والاستعداد لفرض إجراءات تقشف على شعبه”.

وإذا سلمنا بأن البقاء هو الأولوية المطلقة للزعيم الكوري الشمالي، فإن ذلك كفيل بإثارة شكوك وجيهة إزاء قدرة العقوبات الاقتصادية المشددة على إثنائه عن المضي قُدُما في برنامجه النووي – في الواقع إن التهديد بانهيار النظام قد يجعل كوريا الشمالية أكثر خطورة.

واستدرك الكاتب قائلا إن أيًا مما سبق لا ينبغي أن يجعل أمريكا تُذعن وتُسّلم بقدرية حيازة كوريا الشمالية سلاحا نوويا قادرا على تهديد كاليفورنيا، لكن أفضل السُبل للتعامل مع هذا الخطر تتمثل في المسارين الدبلوماسي والاقتصادي وليس العسكري.

ونوه الكاتب عن “اعتقاد إدارة ترامب بأن الصين تملك مفتاح كوريا الشمالية؛ وليس من شك في اعتماد النظام في بيونج يانج اقتصاديا على جارته الشمالية(الصين) والتي أظهرت استعدادا في الفترة الأخيرة لتشديد العقوبات الاقتصادية على كوريا الشمالية عبر إيقاف واردات الفحم”.

وأكد راخمان “أهمية فرْض ضغوط اقتصادية على كوريا الشمالية على المدى القصير، على أن المسار الأفضل على المدى الطويل ينبغي أن يتمثل في التوصل إلى صفقة تُجمّد أنشطة البرنامج النووي الكوري الشمالي في مقابل مساعدات اقتصادية وضمانات بأن الولايات المتحدة لن تسعى للإطاحة بنظام كيم يونج أون”.

واختتم الكاتب قائلا إنه حتى إذا ما فشلت جهود إبرام “صفقة كبرى” مع كيم يونج أون، فإن مثل هذا الفشل الدبلوماسي لا يبرر مطلقا شنّ حرب كـبديل؛ إن أمريكا يمكنها أن تتعايش مع تهديد الأسحلة النووية الكورية الشمالية، تماما كما فعلت من قبل مع تهديدات أخرى، وإلا فإننا قد نتجه صوب صدام مدمر بين قطارين – بحسب تعبير الكاتب.

صدى البلد

التعليقات