أول سباق لـ”بنات” مصر.. “الجري كل الجدعنة”

30 نوفمبر 2018, 4:53 م

في السابعة من صباح اليوم، الجمعة، كانت الحركة هادئة في شوارع مصر، لكن ثمّة جَلبة وحركة زائدة عمّت شارع الأهرام في منطقة الكوربة بمصر الجديدة. حيث بدأت فعاليات أول سباق جري رسمي للنساء والبنات في مصر، نظمه صندوق الأمم المتحدة لسكان مصر بالتعاون مع فريق “كايرو رانرز”، المجلس القومي للمرأة، ووزارة الشباب والرياضة، في سياق حملة 16 يوم لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي.

على امتداد الشارع، اصطّفت الفتيات، يُؤدين تمارين الإحماء استعدادًا لانطلاق السباق في الثامنة صباحًا لمسافة 8 كيلو متر، فيما اتخذت الأمهات جانبًا استعدادًا للسباق العائلي والذي يقطعن خلاله كيلومترين سيرًا على الأقدام.

1

لأول مرة تركض إيمان علي، في السباق عرفت شعورًا مختلفًا، لم تكن الأسرع لكن مُتعة التجربة قادتها إلى المكان. لم تعتد الأم الأربعينية على الرياضة يومًا، غير أنها حرصت على أن يحظى أبناؤها بفرصة أفضل، اشتركت لهم في أكثر من رياضة بالنادي الخاص بهما، فيما بعد أصبح صِغارها السبب في المشاركة بالحدث “كانوا حابين يشاركوا وشجعوني آجي معاهم، لولاهم مكنتش هعرف إحساس الجري عامل إزاي”.

قبل ستة أعوام اختبرت جدة ووالدة آية صفوت، العضو في مجموعة “كايرو رانرز” الشعور ذاته، تحكي الفتاة الثلاثينية لمصراوي كيف بدأ الأمر. لم تكن أسرة الفتاة رياضية بالمرّة “الجري أو المشي كان حاجة مملة بالنسبة لنا”، غير أن شقيقها إبراهيم شاهد ذات مرة خارج مصر مجموعة تجري بزي موّحد، أعجبته الفكرة، وقرر بمساعدة آية بدء التجربة في بلاده.

2

في عام 2012 أخذت الفكرة مكانها في مصر لأول مرة “عملنا إيفنت على الفيسبوك وشارك 74 واحد”، كان الرقم مُفاجئًا للشقيقين “وقولنا هننظم كل أسبوع جرية لحد ما نعمل ماراثون وخلاص كدة”. لكن لم تنتهِ التجربة عند ذاك الحد، بل بدأت، من القاهرة إلى جنوب سيناء، الإسماعيلية، الإسكندرية والبحر الأحمر، حلّق الفريق برفقة المشاركين “وسافرنا بيروت وروما كمان”، فيما نظموا أكثر من ماراثون، جري لمدة 42 كيلو، ونصف ماراثون.

تسلل الشغف إلى نفس والدة الشقيقين وجدتهما “بقوا يحبوا ينزلوا معانا يشوفوا إحنا بنعمل إيه”، حتى أصبح الأمر روتينًا مُقدسًا بالنسبة لهما “بعيدًا عن الفعاليات بقوا ينزلوا لوحدهم يتمشوا كل يوم، وبقوا جزء من عيلة الكايرو رانرز”.

3

في الصباح تجمّع قرابة ألف شخص في المكان، بين 500 فتاة تخوض سباق الجري، والنصف الآخر يشارك في الفعالية العائلية. منذ خمس سنوات طّبق فريق “كايرو رانرز” التجربة العائلية في حين تأتي لأول مرة فكرة سِباق السيدات والفتيات “في فعالياتنا اللي بيشارك 60% ولاد والباقي بنات، حبينا ندعمهم ونديهم فرصتهم يشاركو ببراح أكبر في السباق، عشان نشجع زيادة أعداد البنات اللي بتشارك”.

كل فتاة تحمل رقمًا، في خلفيته يوجد عدّاد لحساب الوقت الذي استغرقته لإنهاء مضمار السباق، قطعته ندى جمال بأسرع وقت، إذ أن جسد الفتاة صاحبة الـ19 ربيعًا اعتاد الرياضة “بلعب خماسي حديث من وأنا 11 سنة”، لأول مرة تشارك في سِباق جري، لكنها اعتادت الركض لمسابقة قريبة من الثمانية كيلو “فمكنش سهل قوي بالنسبة لي”.

4

في الفعالية حرص الفريق المُنظم على أن تتلقى المُشاركات خدمات ترفيهية “حبينا ندلّعهم شوية” تحكي آية صفوت عن وجود منصة لشركة ميكياج “بيشرحوا المنتج بتاعهم، وكمان بيحطوا للبنات اللي حابة ميكب”، فيما توزّعت خدمات أخرى مثل شركات لأيقونة السعادة “الشيكولاتة”، وأخرى للمياه حيث تلتقط صورة لكل مشاكة وتضعها مع “لوجو” السِباق على الزجاجة البلاستيكية، وبين ذاك كله، وُجِدت حملة توعوية للعنف ضد المرأة.

تجوب نرمين أحمد، الموظفة بالإدارة العامة لشئون المرأة بوزارة التضامن الاجتماعي على المشاركات، تحمل في يديها منشورًا يشرح أنشطة مراكز استضافة وحماية المرأة المُعنَفَة، يستفسر الحاضرون عن الأمر “رغم إن الخدمة دي بتتقدم من سنة 2006″، فتُدرك أهمية وجودها في حدث ييوجد به جمع من فتيات ونساء مصر.

5

على مدار أربعة وعشرين ساعة تستقبل المراكز النساء اللائي يتعرضن إلى عنف في ثمانية محافظات، حيث تتوفر الخدمة بشكل مجاني لأي فتاة مصرية أو أجنبية متزوجة من مصري تخطت الثمانية عشر عامًا ومرت بتجربة سيئة مع العنف “بنعمل تدخلات اجتماعية ونفسية واقتصادية عشان نأهلها تاني للحياة”.

لمدة ثلاثة أشهر تجلس النساء مع إحدى لجان المركز لفحص حالتها وكيفية تقديم المساعدة المثالية للسيدة المُعنّفَة “وبنشوف لو هتتصالح مع أسرتها بترجع تاني، أو بندور لها على سكن بالتعاون مع جمعيات”، لأول مرة تشارك الإدارة في حدث جماعي “بنعتمد على طرق تانية للترويج للمراكز”، غير أن التجربة أتت ثمارها “في بنات كتير عدوا باهتمام يسألو ده إيه، وإزاي يساعدو حد من قرايبهم لو بيتعرض لده”.

6

في السباق تراقب إيمان سنجر فتاتها باهتمام، تعطيها نصائح لها قبل انطلاق السباق، فيما تحكي لها عن أهمية الفرصة التي لم تكن متوافرة للأم الخمسينية في نفس عام ابنتها “كنا من الجامعة للبيت، ملناش غير كدة”.

للمرة الثانية تأتي سنجر إلى فعاليات “كايرو رانرز”، تشارك في السير لمدة 2 كيلو فيما يعرف بـ”العائلي”، في هذه اللحظة تنسى الآلام التي بدأت تطرق أقدامها مع تقدم السن “اكتشفت إن الرياضة بتدي حياة أكتر، وبتطلع طاقة وبتحسن من مزاجي، عشان كدة مهتمة بنتي تخوض التجربة ومتبقاش زي أيامنا”.

كذلك تتذكر لبنى عصام أول مرة نزلت إلى الشارع للجري “عملت ده من نفسي، مكنش حد من أهلي مهتم بالرياضة”، كان ذلك في فترة الثمانينات “كنت بسمع كلام كتير يضايق، بس كنت بكمل لإني مبعملش حاجة غلط”. تبدّل الحال بالنسبة للسيدة الخمسينية حاليًا “دلوقتي لو حد بيشوفني بيقولي كلام يشجّع”.

حول منطقتها السكنية، تجري لبنى باستمرار، لكن عام 2015 بدأت الانضمام إلى فعاليات جماعية “الموضوع مختلف لإني بخرج لأماكن تانية جديدة، والأجواء بتبقى مُشجعة أكتر”. تحّث السيدة الخمسينية قريناتها من العمر ذاته لخوض التجربة “بعد ما الولاد خلاص كبروا، في وقت كبير بقى فاضي، مهم نبص لحياتنا إحنا ونعمل فيها حاجات بنحبها”.

في الفعالية العائلية، كانت منى الجيار تقبض على عربة صغيرة لحفيدتها، بينما تمارس المشي في الحدث، كانت صاحبة الـ62 عامًا تمارس السباحة سلفًا، لذا حين عرفت عن “كايرو رانرز” شاركت أكثر من مرة في الحدث العائلي، ثم باتت مُشجعة لابنتها الكبرى سمر للحضور.

7

لأول مرة تشارك الفتاة الثلاثينية “ماما هي اللي شجعتني، قالت لي سيبي الولاد وتعالي ننزل نتمشى ونتبسط”، تحب سمر المشي لكنها لم تستطع الفترة الأخيرة ممارسة ذلك بسبب انشغالها مع صِغارها “بس الموضوع طلع لطيف، وحاسة بطاقة وونس إني مع ماما، بنعمل حاجات مشتركة زي زمان”.

في مضمار السباق كانت إيمان طلال مُتأخرة قليلًا، لكنها حفّزت نفسها بأنها لا تزال في أول تجربة لها مع الركض. لم تتشجع صاحبة الثلاثين عامًا إلى الأمر من قبل “بخاف أنزل أجري في الشارع فأسمع كلام سخيف”، لكنها حين قرأت عن أول سباق للفتيات “قولت إني هبقى وسط بنات كتير وده مُطمن، وأنا نفسي من زمان أجرب، فهستنى لإمتى؟”. مشاعر لطيفة غمرت نفسها “كنت حاسة بالحرية أو إن مفيش قيود وأنا بجري، إحساس بالإنطلاقة مش عاوزاه يروح، فهكرر الموضوع تاني”.

مصراوى

(Visited 3 times, 1 visits today)

التعليقات