أعضاء بالكونجرس يتقدمون بمشروع قانون لمحاسبة «سى آى إيه»

قد يقوم الرئيس أوباما قريبا باتخاذ ما يلزم لمنع التجسس على زعماء الدول الحليفة. والأمر قد يحتاج أيضا لمخاطبة الشعب الأمريكى والعالم كله فى هذا الأمر، والرئيس الأمريكى لم يكن على علم بأن أمريكا تجسست على زعماء حلفاء، كما أن حجم التجسس أو التنصت كان مفاجأة لأوباما! وأيضا.. برامج التجسس سوف يتم مراجعتها من جانب مجلس الشيوخ. وبالطبع تداعيات التجسس على إنجيلا ميركل المستشارة الألمانية وغيرها من الزعماء والتى تكشف و«تفضح» كل يوم جديدا «تعكر الأجواء الدبلوماسية بل تسممها».
هذه هى العناوين الرئيسية لحديث الإعلام وأهل واشنطن خلال اليومين الماضيين. ولا شك أن هذا الحديث المثير والملىء بالفضائح الأمريكية لن يتوقف طالما هناك جديد يتكشف كل يوم ويسبب إحراجا لأوباما وإدارته ولعلاقات واشنطن مع الحلفاء والأصدقاء. أحد المعلقين لم يتردد فى القول: «إذا كان هذا هو حال الأصدقاء فما هو حال الأعداء؟!».
وهل أوباما فعلًا آخر من يعلم؟ وتضاربت الأقوال عن «علم أو لا علم» أوباما بما يحدث من جانب وكالة الأمن القومى الأمريكى. الكثير من المراقبين بالطبع لا يصدقون هذا التبرير غير المنطقى ويصممون بأنه «من السذاجة القول بهذا» وأن فى كل الأحوال «أوباما مسؤول عما حدث» حتى لو كان له رأى آخر الآن يخص «ما يحدث فى الوقت الحالى وسوف يحدث فى المستقبل» بشأن التجسس. والبعض الآخر يرى فى «لا علم» الرئيس توجه عام سلكه أوباما فى تعامله مع أغلب القضايا.. وهو «التعامل عن بعد» و«عدم الانخراط تماما» و«عدم الاكتراث بالتفاصيل أحيانا». وهذه أوصاف وردت على لسان بعض ممن يتابعون تحركات الرئيس أوباما ومواقفه و«عزوفه» غالبا عن تفاصيل مطبخ البيت الأبيض وتركه للمطبخ أحيانا إذا اشتد سخونته!!
يوم أمس الثلاثاء تقدم أعضاء بالكونجرس بأول مشروع قانون شامل ومتكامل يتناول وكالة الأمن القومى الأمريكى دورا وأداء ومراقبة ومحاسبة، بعد أن تكشف وتبين وبشكل صادم ومثير للقلاقل منذ نحو خمسة أشهر برنامجها للتنصت على المكالمات الهاتفية. وجدير بالذكر أن السيناتور دايان فاينستاين رئيسة لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ وهى ديمقراطية من ولاية كاليفورنيا تتقدم الصفوف فى هذه المواجهة الساخنة وتطالب بإصلاح النظام و«تحجيم» أو «تقليص» أدوات وأداء الأمن القومى الأمريكى. وذكرت تقارير صحفية أن مشروع القانون المقدم من جانب أعضاء من كل الحزبين سوف يوقف بالفعل التنصت «بالجملة.. على الجميع». والذى يتم حسب القانون الشهير المعروف «باتريوت أكت». وهذا القانون تمت صياغته وإقراره وتطبيقه فى عهد الرئيس بوش (الابن) فى إطار مجموعة الإجراءات التى اتخذت وقتها من أجل محاربة الإرهاب خارج وداخل الولايات المتحدة. ولهذا شاهدت واشنطن منذ أيام ومع تفجر «فضيحة التجسس» الأخيرة مظاهرات ومسيرات واحتجاجات لأمريكيين وأمريكيات يرون أن «الأخ الكبير» كعادته ينصت ويتجسس ويتابع ويراقب و«يتحرش سياسيا وإنسانيا» و«ينتهك الحريات» لملايين من الأمريكيين مبررا ومفسرا ما يرتكبه بأنه من أجل الصالح العام ومن أجل حماية أمريكا ممن «يريد إلحاق الأذى بها».
ولا شك أن «كشف النقاب» عن بعض مظاهر هذا التنصت الشامل للكل أو للكثيرين فى أحسن الظروف فى يونيو الماضى كان «قنبلة سياسية أمريكية» لها أصداء عالمية. إلا أنه بعد خمسة أشهر من التصريحات المتناقضة والتسريبات المثيرة للجدل يوجد عدد لا بأس به من أعضاء الكونجرس يرون ضرورة إعادة النظر بعد إعادة التقييم للبرنامج الخاص بالتنصت فى وكالة الأمن القومى الأمريكى. وبعدها يقررون، إما الوقوف معه ودعمه وإما غلقه نهائيا. أو هكذا يقولون فى اليومين الأخيرين. وفى رأى البعض من هؤلاء أن «تضخم» هذا الجهاز و«توحشه» أو «تغوله» أصبح أمرا مقلقا ومزعجا ليس فقط للآخرين من شعوب العالم، بل للأمريكيين أنفسهم. وأنصار الحد من التغول الاستخباراتى لهم أيضا وجهة نظرهم فى ما يسمى بـ«نوعية» المعلومات وليس «كميتها». فالهدف فى نهاية الأمر كما يقولون هو «العثور على الإبرة فى كوم القش».. وأن «زيادة كمية القش قد تؤدى أيضا إلى صعوبة العثورعلى الإبرة.. أى الحقيقة!!».
وفى المقابل نجد أعضاء آخرين ومنهم النائب مايك روجرز رئيس لجنة الاستخبارات بمجلس النواب وهو جمهورى من ولاية ميتشجان له رأى مخالف يدافع عن مهمة وكالة الأمن القومى الأمريكى وأدائه ويرى أنها ضرورية وحيوية.. بل على الحلفاء الأوروبيين أن يكونوا «ممنونين» لأن الوكالة الأمريكية تحافظ على سلامتهم! وهذا ما قاله فى حديث تليفزيونى. ولم يتردد البعض من غلاة التشدد الأمريكى أن ينتقدوا وبشدة «الغضب الأوربى» من التجسس الأمريكى قائلين «إن الأوربيين آخر من يتكلمون عن التجسس وأن تاريخهم ملىء بهذه الأساليب ولسنوات طويلة».
وبما أن التنصت هو القضية المثارة فلم يكن غريبا أن نرى على شاشات التليفزيون الصحفى الشهير بوب وودورد يتحدث عن القضية المثارة بحكم تجربته مع زميله كارل برنستين فى كشف فضيحة «ووتر جيت» الشهيرة والإطاحة بالرئيس نيكسون. وودورد طالب بأن تكون الحكومة الأمريكية «أقل سرية» و«أقل تكتيما» فى ما يتعلق ببرامج التنصت وبالطبع «أكثر انتقاء» فى المراقبة والمتابعة. أو بتوصيف آخر أن يكون التنصت محدودة زمنية ومحدودة هدفًا.. «مش عمال على بطال» أو «يشمل الكل.. كل الوقت».
ولم يعد الأمر المثار فى المشهد الواشنطنى هل تم التنصت أم لا على رؤساء وزعماء دول حليفة أو صديقة؟ أو كم كان حجم التنصت؟ بقدر ما كان علم الرئيس ودرايته بكل جوانب ملف أو ملفات التنصت. وهل التواصل مع الرئيس وإبلاغه بكل الحقائق هو الأمر القائم أم أن التواصل اختيارى وانتقائى.. و«أحيانا يتم تفادى التواصل نفسه». بعض منتقدى أوباما يرون أن هذه الأزمة مثل غيرها من الأزمات المتلاحقة التى تكشف أمرها أخيرا تعكس مفهوم أوباما أو أسلوبه فى التعامل «عن بعد» مع الملفات الحيوية. والأخطر بالطبع الإشارة إلى أن الأمر- كما يبدو- بعض من المقربين منه إما لا يبلغونه بالحقائق كلها أو يفضلون «عدم إزعاجه» بالحقائق، ومن ثم تتفاقم الأزمات وتتراكم المشكلات عملا بتبرير رائج يقول إن الرئيس يترك الرئيس «الأمور تأخذ مجراها الطبيعى.. دون تدخل مباشر». وتلك هى المصيبة كما يشدد بعض المراقبين.
إدارة أوباما هذه الأيام «محاصرة» و«محتاسة» بملفات التجسس على الحلفاء ووكالة الأمن القومى الأمريكى من جهة ومن جهة أخرى أمامها ملفات الرعاية الصحية بما لها وما عليها. فإذن أين المفر؟ خصوصا أن هذه القضايا لا تحتمل التأجيل أو.. «التعامل عن بعد»!
التحرير






