علاقات مصر الخارجية……

مصر دولة إقليمية رئيسية، تسعى القوى الكبرى للتعاون معها فى زمن قوتها، وفى زمن ضعفها تسعى للسيطرة عليها وجعلها دولة تابعة سواء بشكل مباشر (كما كان فى زمن الاستعمار) أو بشكل غير مباشر (كما فى زمن الحكام فاقدى الشرعية أو زمن الجماعة). ما يهم القوى الكبرى فى علاقاتها مع مصر هو تحقيق مصالح هذه الدول فى المنطقة، وهى مصالح لا يمكن تحقيقها، بل لا يتصور حمايتها دون دور مصرى قوى وفاعل. والمؤكد فى هذا السياق أن منظومة الدول الغربية ترغب مصر دولة ضعيفة، حاكمها شرعيته مجروحة، لا يحظى برضا شعبه ومن ثم يكون على الدوام فى حاجة إلى الدعم والمساعدة الغربية التى تقوّيه على شعبه. وليس سرًّا أننا نجد علاقات مصر بالدول الغربية تتحدد من خلال مستوى قوة وقدرة مصر من ناحية ودرجة شعبية ومستوى شعبية الحاكم، وكلما كانت مصر قوية، عفيّة، وكان حاكمها مقبولا من شعبه وله من الشرعية الشعبية ما يجعله فى غنى عن الاستقواء بالخارج على شعبه، اتسمت علاقات مصر مع الغرب بالتوتر الشديد وزادت محاولات الغرب لضرب مصر بشتى الطرق، حدث ذلك فى عهد محمد على وانتهى الأمر بدخول تحالف القوى الغربية فى حرب مع الأسطول المصرى انتهى بتدمير رمز القوة المصرية. وتكرر المشهد مرة ثانية فى عهد جمال عبد الناصر وكان عدوان يونيو ١٩٦٧ لكسر المشروع القومى الذى انطلق من مصر قوية وعفية. لا يعنى ذلك الدفاع عن أخطاء ارتُكبت ولا التعامى عن تجاوزات وقعت، لكن التدليل على أن الدول الغربية تريد مصر ضعيفة من ناحية وحاكمها فاقدا للشرعية الشعبية أو صاحب شرعية مجروحة، ومن ثم يكون فى حاجة إلى الاستقواء على شعبه بالغرب.
فى نفس الوقت بدا واضحا أن الدول الشرقية وعلى رأسها روسيا الاتحادية (الاتحاد السوفييتى سابقا) كانت على استعداد للتعامل مع مصر قوية، فهم ينظرون إلى قوة مصر باعتبارها مصدر قوة لهم، صحيح أن مستوى القوة محسوب على الدوام بحسابات التوازن الإقليمى، إلا أن الصحيح أيضا أن هذه الدول مستعدة على الدوام للتعامل مع مصر كقوة إقليمية رئيسية، وقوة مصر لا تسبب أى نوع من الانزعاج للدول الشرقية وفى المقدمة روسيا الاتحادية.
وإذا نظرنا إلى المشهد فى بلدنا اليوم، فسوف نجد الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ترى فى ثورة مصر فى الثلاثين من يونيو خسارة كبيرة لها، فهذه الدول، وواشنطن تحديدا، وجدت فى مرسى والجماعة أداة تقزيم دور مصر وتحجيمه، فمرسى والجماعة قبلوا بتنفيذ كل مكونات الأجندة الأمريكية فى المنطقة بما فيها ضمان أمن إسرائيل، بل وتغيير موقف الجماعة من الدولة اليهودية وبدلا من الحديث عن تحرير القدس وتجهيز شهداء بالملايين، خاطب مرسى نظيره الإسرائيلى شيمون بيريز بصديقى العزيز، واصفا نفسه فى نهاية الخطاب الذى وجهه إلى الرئيس الإسرائيلى بـ«صديقك الوفى». أيضا كان مرسى والجماعة على استعداد للمشاركة فى إيجاد حل جذرى للقضية الفلسطينية على حساب الأراضى المصرية.ص
باختصار مصر فى زمن مرسى والجماعة كانت دولة ضعيفة هشة تعمل على خدمة السياسة الأمريكية فى المنطقة، وتظل الجماعة فى حاجة دائمة إلى الدعم الأمريكى، ومن ثم رأت واشنطن فى مرسى والجماعة رصيدا استراتيجيا لسياستها فى المنطقة، فتمسكت به ودافعت عنه، وقامت سفيرتها فى القاهرة آن باترسون بكل جهد ممكن لدعم حكم مرسى والجماعة، ووقفت واشنطن بقوة ضد ثورة الثلاثين من يونيو من منطلق أنها إطاحة بنظام حليف قَبِل بالعمل ضمن الرؤية الأمريكية، ومحاولة فى الوقت نفسه بناء نظام جديد قوى وفاعل، شرعيته غير منقوصة ولا مجروحة بل ويمكن أن يفرز قادة أقوياء ومنهم من يحمل سمات الكاريزما، أى القائد المحبوب من شعبه، وهو ما يتناقض تماما مع المصلحة الأمريكية. من هنا يبدو مهمًّا للغاية أن تنظر مصر مجددا إلى اتجاهات أخرى غير الغرب وهو ما يصب فى صالحها وصالح شعبها. وهو ما سوف نتناوله غدا إن شاء الله
التحرير






