طارق البشري يكتب: حالة مصر بعد الثورة

1 نوفمبر 2012, 1:40 م

 

مسائل ملحة فى السياسات المصرية: تحرير الإرادة الوطنية من الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.إعادة ترميم وإصلاح جهاز الدولة.دعم وتقوية منظمات المجتمع الأهلى.وضع دستور يكفل جماعية اتخاذ القرار ويمنع الاستبداد.

 

 

نجح التيار الليبرالى أيما نجاح خلال فترة الثورة فى أن يصرف انتباه الرأى العام المصرى عن قضايا أساسية ملحة، وهى قضايا السياسات التى يجب أن تتبع بعد الثورة، من حيث السعى لأن تسترد مصر إرادتها الذاتية المعبرة عن الصالح الوطنى لها فى شئون السياسة الخارجية والعربية، وأن تسترد هذه الإرادة فى شئون بنائها الداخلى المستقل باتباع سياسات اقتصادية واجتماعية تتبع مشروع تنمية اقتصادى يستهدف السعى إلى زيادة الإنتاج فى كل مجالاته وتتبع سياسة للتوازن الطيب فى توزيع الدخل ومراعاة العدالة الاجتماعية.

 

 

 

صرف الإعلام الرأى العام عن هذه المسائل جميعها ليركز على قضية واحدة تتعلق بهوية الدولة المصرية وهل تكون دينية أم مدنية، رغم أنه كان الواجب الأول علينا جميعا أن نركز على المسائل السابقة التى تتعلق بمستقبل مصر، أما مسألة الهوية فإن مصر لا تكتشف هويتها اليوم، والهوية أمر لا نختاره ولكن يرجع إلى جماع التركيب الثقافى السائد فى المجتمع.

 

 

 

وإن التيار الليبرالى إن لم تكن له قوة تنظيمية تمكنه من الاستقلال عن غيره، فإن له من عمق الثقافة السياسية التى يحملها ومن مواقف الغالب من عناصره الثقافية ومن نفوذه فى المجتمع وخبراته فى التأثير على الرأى العام ومواقف الغالبية الوطنية من عناصره ما يجعله يعتبر القوة الثالثة التى أسفرت عنها ثورة 25 يناير ويتعين أن يرعى مشاركته فى صيغة بناء المستقبل.

 

 

 

ونخلص من ذلك إلى أن التيار الإسلامى الممثل للقوة الثانية وهو موضوع هذه الورقة فى الأساس ليس منفردا فى الساحة المصرية بالنسبة لمسألة الدولة والسيطرة عليها ولا بالنسبة لتحديد المستقبل المصرى، وإنه قوة ليست قائدة ولا حاكمة ولكنها قوة ذات أثر فعال ينبغى أن يكون لها الإسهام الذى تستحقه فى صياغة المستقبل الوطنى والثقافى والاجتماعى، وذلك ما دمنا نسعى إلى بناء مجتمع على أسس من التنظيم الديمقراطى الحقيقى، وإن المشاركة الفعالة هى ما يتعين أن تكون المعيار الجامع للقوى المصرية، لكى يقوى بعضها ببعض، لا لينفى بعضُها بعضَها الآخر.

 

 

 

 

 

 

 

ننتقل إلى مسألة أخرى مطلوب الإشارة إليها وهى أنه ليس من الممكن لأى من القوى السابق الإشارة إليها التى تفتق عنها الوضع بعد الثورة وليس لأى منها أن ينفرد بالسلطة أو يعتبر أنه وحده العنصر الحاسم فى إعادة بنائها أو فى تقرير سياساتها، وأنه لابد من المشاركة، وهو ما أخال أن سيسفر عنه الصراع الحالى فى المدى الزمنى القريب، لا بالتغلب ولكن بطريق أن تعدل كل قوة من ذاتها وأوضاعها بما يسمح بحصول هذه المشاركة، وإذا كان هذا هكذا، فإنه يتعين عرض المسألة التى أحدثت الانقسام الفكرى الخطير فى مصر على مدى شهور الثورة الماضية، وهى مسألة هوية الدولة وهل هى مدنية أم دينية، وهى مسألة إنما تحل بمراعاة وجوب التشارك بين هذه القوى أو بين أقسام من كل منها، وهى قوة جهاز الدولة المؤسسى وقوة الحركة الإسلامية وقوة الأحزاب وجماعات المثقفين الذين يعرفون أنفسهم باسم التيار الليبرالى أو المدنى.

 

 

 

ولكى ندرك المشكل الذى عانت منه وتعانى ثورة 25 يناير من هذه المسألة، يتعين ذكر أن الثورة تقوم بالإطاحة بنظام يسد الطريق أمام السعى للاستجابة للتحديات الواقعية التى تواجه الأمة والمجتمع ويمتنع من تقرير السياسات المناسبة لذلك وتنفيذها ويحقق ما تصبو إليه الجماعة الوطنية من حلول لمشاكلها، وهى فى ذلك تركز على ما يمكن من الإصلاحات أن يعتبر الحلقة الأساسية أو القاطرة التى تقود إلى حل المشاكل المحدقة فى المجال السياسى والاجتماعى.

 

 

 

وقد كانت هذه الحلقة الأساسية فى مصر هى مسألة الديمقراطية، لأن كل ما استشرى فى المجتمع المصرى من سلبيات وانتكاسات وفساد، كان عن طريق الحكم الاستبدادى الفردى، والديمقراطية نظام للحكم وأسلوب لإدارة المجتمع بطريقة تكفل وتقود إلى ما يرنو إليه من إصلاح ونهوض وعدالة واستقلال، وإن الديمقراطية تصير شعارا أجوف إذا لم ترتبط وتوظف لخدمة حل المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى يعانى منها المجتمع، لأنها تفيد فى النهاية أن يكون الحكم معبرا عن إرادة المواطنين، ويستحيل تصور هذا التعبير إلا أن يكون مناسبا لمصالح الشعب فى الاستقلال والنهوض وإشاعة القدر المناسب من العدالة الاجتماعية التى تحفظ التوازن بين طبقات الشعب، فالديمقراطية يتعين أن تحتوى هذه الأحداث فى صورها العينية وفى برامجها الواقعية وإلا فقدت وظيفتها.

 

 

 

والحاصل فيما يمكن تلخيصه فى كلمات قليلة، أن المسائل الملحة فى السياسات المصرية التى تستوجب المعالجة، أولا: تحرير الإرادة الوطنية المصرية فى سياساتها الخارجية والداخلية من الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، وهذا الأمر «فى الظروف التى أدى إليها نظام حسنى مبارك» لا يتأتى إلا بتحقيق سياسات اقتصادية تؤدى إلى السعى للاعتماد الذاتى على الإنتاج المحلى بقدر ما تطيقه الموارد والإمكانات بالنسبة للمواد الغذائية والدواء، والمسألة الثانية هى إعادة ترميم وإصلاح جهاز إدارة الدولة لرده إلى فاعليته السابقة، بعد أن اتبع حسنى مبارك معه سياسات التفكيك والإضعاف والإفساد، وذلك لأنه الجهاز الأساسى الذى يعتمد عليه المجتمع المصرى فى إدارة شئون الخدمة المرفقية ورسم سياسات التنمية، والمسألة الثالثة هى دعم وتقوية ما يتعلق بحل المشكلات الخاصة بتنظيم المجتمع الأهلى من مؤسسات وتشكيلات هى من لوازم التنظيم الديمقراطى وهى مما يعصم الدولة من النزوع إلى الاستبداد، وهذا يتعلق بتشكيل وتأسيس الأحزاب والنقابات المهنية والعمالية واتحادات الفلاحين والحرفيين والجمعيات بأنواعها، فضلا عن وضع دستور يكفل جماعية اتخاذ القرارات وتعدد الهيئات التى تتداول التقرير والتنفيذ مراعاة للتخصص وحذرا من الاستبداد الفردى أو المؤسسى.

 

 

 

ورغم أن كل هذه الأمور هى من لوازم ما تتحقق به أهداف الثورة، فإننا نفاجأ وما زلنا نفاجأ أن تطغى مسألة هوية الدولة «الدينية أو المدنية» على كل هذه المسائل، وقد جرى حرص عجيب قادته وسائل الإعلام على أن تشغل هذه المسألة كل ساعات ومساحات النشر فى الصحافة والإعلام المرئى والمذاع، وأن تطغى على كل ما يعانى منه المجتمع من مسائل.

 

 

 

والعجيب أن يجرى هذا الأمر استمرارا لذات السياسة التى اتبعها نظام حسنى مبارك منذ انتخابات مجلس الشعب المصرى فى سنة 1984 كانت أول انتخابات حديثة يخوضها الإخوان المسلمين، وكان ذلك بالتحالف بينهم وبين حزب الوفد ضد مرشحى حزب الحكومة، واستمر حرص نظام مبارك على أن تكون هذه المسألة من المسائل الحاكمة لغيرها فى قضايا السياسة والثقافة المثارة، ولا ننسى فى هذا الشأن السياسة الأمريكية التى وضعت المسألة الحضارية الثقافية على رأس استراتيجيتها فى الصراع الفكرى والسياسى الدائر منذ ثورة إيران فى 1979 ومنذ ظهور الحركات الوطنية ذات المرجعية الإسلامية فى فلسطين وفى غيرها، ومنذ انهيار الاتحاد السوفييتى والبحث عن بديل للخصام السياسى والفكرى وظهور «صراع الحضارات»، لهانتنجتون، ولا ننسى الانقسام الذى ظهر فكريا مع كتاب «وليمة لأعشاب البحر» لحيدر حيدر، وكذلك كتاب سليمة نسرين الباكستانية وغيرها، مما صرف الانتباه فى مصر من قضايا سيناء وفلسطين وإسرائيل ومشروعات التوسع الزراعى إلى حرية الأديب فى العمل الروائى وغير ذلك.

 

 

 

والعجيب أن كثيرين من الاتجاه الليبرالى واليسارى من أحزاب ومثقفين وسياسيين أفراد وجماعات ركزوا على هذه المسألة وساهموا فى أن تصير هى بؤرة الاهتمام وأساس الاستقطاب السياسى، وذلك توهما أن ما يبذلونه من جهود فى الدفاع عن «المدنية» هو دفاع ضد التخلف، رغم أن المدنية يمكن تحقيقها وأن المشكلة فى النظام الاستبدادى الذى هو أساس التخلف والهزائم. وقد ساهموا بذلك بغير قصد فى زيادة أسهم التيار الدينى، لأن طرح التخيير بين الدينى وغير الدينى أيا كان عنوانه هو خيار محسومة نتيجته لصالح «الدينى»، وكان الأصوب لسياساتهم طرح المسائل المتعلقة بالشئون الحياتية ليجرى الاستقطاب حولها، وهى سياسات تتصل بالشئون الحياتية أيا كانت المرجعية الثقافية لمن يؤيدها، وقد أوغل الكثير من الليبراليين فى التركيز على هذه المسألة حتى كادوا أن يصموا فكرة الانتخابات النزيهة بأنها ستفضى حتما إلى ما هو «دينى» فيطلبون التأجيل فيها إلى أجل لم يسموه، وكان ذلك من أهم أسباب تأخر الانتخابات من وسط عام 2011 إلى نهاية هذا العام 2012.

 

 

 

والحاصل طبعا أن الاستقطاب الحادث لدى الرأى العام حول مسألة «الدينى والمدنى» يتحمل مسئوليته كل من شارك فيه من التيارين الليبرالى والإسلامى، لأنهم كما زلو أنهم تراضوا على أن تكون هذه المسألة هى ما يتعين أن يقوم عليها الصراع، ويحدث الاستقطاب، رغم أنها مسألة لا يقوم بشأنها صراع حقيقى، بدليل أنه بعد عام من الاستقطاب حول هذه المسألة تكاد تنتهى نتيجة الصراع إلى ذات ما كان عليه الموقف من توازن سابق، لأن نص المادة الثانية من دستور 1971 التى كانت تنص على أن دين الدولة هو الإسلام وأن الشريعة الإسلامى هى المصدر الرئيسى للتشريع، هذا النص هو ذاته ما يكاد يتفق عليه فى اللجنة التأسيسية للدستور الجديد فى هذه الأيام.

 

 

 

والمسألة أصلا ما كان يثور بشأنها تناقض فى المجال الثقافى السياسى، لأن غالب من يتحدثون عن «المدنية» إنما يقصدون نظم الحكم والمعاملات، والمرجعية هى مفهوم فكرى يتعلق بالأصول الفكرية المرجوع إليها فى التقدير النهائى لبيان الصواب والخطأ أو الصحيح والفاسد، أو ما كان يعبر عنه قديما «بالحسن والقبيح»، وهى الأصول الفكرية والثقافية العامة التى تصدر عنها الأحكام فى المجتمع بالنسبة للتعامل ولما يتقرر من أوامر ونواه للسلوك والتصرفات، والأصول العامة التى تصاغ بها شرعية هياكل النظم السياسية والاجتماعية وعلاقات الجماعات التى تضمها الجماعة الوطنية.

 

 

 

والمرجعية بهذا الوضع ليست هى الأحكام أو النظم ولكنها التشكل الثقافى الاعتقادى العام السائد فى المجتمع ولدى الجماعة الوطنية، الذى يجتمع الناس فى غالبهم الأعم على التراضى به، ولذلك فنحن لا نختار المرجعية كشأن ثقافى سائد ولكننا نستخلص خصائصها وسماتها مما يسود فى المجتمع من قيم ثقافية واعتقادية عامة، كما أننا لا نختار اللغة ولكننا نكتسبها اكتسابا تاريخيا وجماعيا مما يسود بين الناس فى تخاطبهم وتفاهمهم، وأن الدين إنما يجرى التعامل معه فى هذا السياق بوصفه الثقافة السائدة، ونحن لا نختار الثقافة السائدة ما لو كنا نختار بين سلع معروضة فى محال التجارة أو المعارض والمتاحف، ولكننا نختار أحكام التعامل حسبما يصلح ونختار النظم حسبما يصلح فى إطار الثقافة العامة السائدة.

 

 

 

لذلك لا يثور فى ظنى تناقض حقيقى بين أمر يتعلق بالمرجعية وأمر يتعلق بالأحكام، والأحكام نختارها حسب ما نظن الأصلح فى إطار المرجعية السائدة، وعندما نتكلم عن المرجعية بوصفها ثقافة سائدة فإنها إنما ترد إلينا من التشكل الحقيقى والتاريخى المعاصر لمجمل ما يسود بين الناس فى إطار الجماعة الوطنية من أصول فكرية وتجديدات ومما يضمه الإطار الثقافى السائد فى المجتمع حسب ما آل الوضع الحالى فى بداية هذا القرن الحادى والعشرين، وقد ندرس هذا الأمر ونختلف حوله ولكن ذلك يكون فى الإطار الجامع الذى يقبل التنوع ويقبل التجدد حسبما تتفتق عنه أوضاع النظافة السائدة والمصالح العامة المستجدة.

 

 

 

 

 

 

 

طلب إلىَّ الحديث عما ينتج من إسلامية التشريع من مشاكل سياسية واجتماعية تتعلق مثلا بالمرأة وبالأقباط وبالعلمانيين وبالحريات وغير ذلك. والحاصل أن كل هذه المسائل كانت محل بحث وجدل على طول القرن العشرين ووجد لها العديد من الصياغات أعدت من فقهاء وباحثين باتقان وعمق، وتعددت وتنوعت الآراء والاجتهادات فيما تسعه أحكام الشريعة من حلول، ومن ثم فإن الجهد الفقهى والقانونى موجود وهو سابق التجهيز، والعبرة هى بالاختيار والتوافق عليه.

 

 

 

وفى صدد الاختيار، فإن له مجالين، المجال الثقافى العام الذى يدور فيه النقاش حرا طليقا ومتعدد الأوضاع والهيئات، وهو ليس المقصود ببحثه هنا. والمجال الآخر هو مجال ما تفرضه السلطة فى البلاد بعد أن تصير فى أيدى الإسلاميين. وقد خصصت هذه الورقة للحديث عن القوى السياسية الثقافية السائدة فى مصر الآن من التقارب فى القوة بحيث لا تملك إحداها أن تنفرد بحكم ولا بقيادة مجتمع ولا بفرض سياسة، وأنه لابد من المشاركة، ومقتضى المشاركة أن يصل المشتركون إلى الصيغة التى يلتقون عليها.

 

 

 

وبالنسبة لمسألة تطبيق الشريعة، فإن أمر الأخذ من الشريعة الإسلامية فى القوانين الوضعية هو أمر حادث ومن عشرات السنين، ومحاولات تقنين الأحكام منها محاولات أتت بنتائج ومشاريع متكاملة، وبذل هذا الجهد على مدى القرن العشرين من فقهاء وباحثين لم يكن أغلبهم من الحركة الإسلامية السياسية، وكانوا فى الأساس ممن جمع بين الثقافتين القانونيتين الإسلامية والغربية، وأنتجوا مشاريع تعتبر ثروة فكرية، وكذلك الدعاة للأخذ من الشريعة كانوا من هؤلاء الفقهاء، ويقف فى مقدمة هؤلاء أمثال عبدالرزاق السنهورى، وعبدالحليم الجندى، وصوفى أبوطالب، وغيرهم كثيرون ولجان التقنيين التى عملت فى السبعينيات من القرن العشرين فضلا عن جهود الفقهاء فى سوريا والعراق والمغرب وغيرها، فالأمر واسع من أن يجرى تناوله بحسبانه مشكلة سياسية محددة ترد مع تنظيم معين يحتمل أن يتولى السلطة فى بلد معين، إنها شأن ثقافى عام ميدانه الفسيح خارج توازنات السلطة، ثم جرى تأثيره من خلال أثره الثقافى العام.

 

الشروق

(Visited 1 times, 1 visits today)