‎كيف يفكر الديكتاتور وقبيلته؟

 

 

 

المدهش أنهم قالوا لهم: «ستكون ديكتاتورية مؤقتة..».

وقالوا لهم أيضا: «هم لا يعرفون أن الدكتور مرسى رجل طيب، وبالتأكيد لن يستخدم صلاحياته المطلقة للإضرار بمصالح البلاد…».

قالوا لهم هذا فى الجماعة التى فتحت كتاب محفوظاتها لتدافع عما فعله المرسى حين أعلن بكل القذافى الكامن فى أعماقه، أنه ديكتاتور يقاتل من أجل لحظة تأسيس دولة قبيلته.

القبيلة وحدها الآن تستنهض كل أدواتها من الحشود الضخمة التى أنزلتها قبل إعلان القرارات وبعدها، وإلى ماكينات الابتزاز التى تحاول إعادة تسمية الأشياء فتطلق على كل معارضى خطبة الديكتاتور البائس، أنهم «فلول» وهو ما يعنى بالضرورة أن «الإخوان» هم الثورة، وهذه من مضحكات الزمن، ودليل على أن المرسى حين دخل قصر الرئاسة تسلم دولاب الديكتاتورية بكامل معداته من مبارك ثم أضاف إليها ما أخفته الجماعة طيلة ٨٤ عاما من شراسة وعنف وشهوة للسلطة لا حدود لها.

مبارك وجهاز البروباجندا البائس الذى لم ينقذه كان يردد بأن معارضته «إخوان» لا ليمنح التنظيم المستقر الوحيد قوة إضافية، لكن لكى يمنح نفسه حق احتكار «الدولة المدنية الحديثة» باستخدام الفزاعة من الجماعة التى قامت على هدم الدولة الحديثة.

الإخوان وصلوا إلى السلطة إذن على أنقاض نظام مبارك، لكن بعد ثورة لم يكن لهم فيها اليد العليا، لأنهم حتى سقوط مبارك أقاموا أسطورتهم الكبرى حول «الجماعة المضطهدة» وهى أسطورة يحلمون بإعادة تركيبها رغم أنهم أصبحوا فى السلطة، بل ويمارسون أقبح ما فيها.

ومثل كل ديكتاتور، وكما تتربى الجماعات الفاشية، فإن المرسى تصور أن إعلانه الديكتاتورى سيمر بقليل من المعارضة، خصوصا بعد أن وضع غلافا أنيقا من المطالب الثورية على ملامح الديكتاتورية المولودة برعاية «أول رئيس منتخب».

تخيَّل المرسى أن ما فعله طبيعى، وصدقت الجماعة أن قراراته ثورية، وأكثر من هذا تمثل تنازلا للثوار، هذه هى حدود العقل الإخوانى الذى يصدق أنه يمكن أن تكون هناك ديكتاتورية مؤقتة، واعتقد أن ممارسة السلطة هى «التسلط» وليس شيئا آخر، وأن المظاهرات هى حشد بأوامر السمع والطاعة، وهذا ما يجعلهم يتصورون أن خروج الآلاف إلى الشوارع مؤامرة تحركها التيارات التى يقولون إنه ليس لها رصيد فى الشارع، وهذا تناقض لا يلتفت إليه العقل الإخوانى المفتقر إلى قدرات النقد، والغارق فى تقنيات السمع والطاعة إلى درجة تجعله يعيش فى بالونة تشبه عالما افتراضيا لا يسمع فيه غير أصوات مكتب الإرشاد.

يتصور هذا العقل أن النقد، شتيمة، ولا يشعر بالقلق من تحوله من طول تربيته الإخوانية إلى جزء من حشود مهمتها تنفيذ التعليمات كما حدث ليلة استدعاء الأوتوبيسات قبل صدور الإعلان الملعون بساعات، ليؤيدوا قرارات لا يعرفونها، ثم عندما احتشدوا أمام القصر يهللون لابن قبيلتهم الذى يحدّثهم عن السياسة على أنها «مؤامرة» ومعارضيه على أنهم «سوس» سيزاح لتصفو البلاد ويرفرف طائر النهضة.

لعب المرسى ومن خلفه بكل قوتهم على جوهر العقل الإخوانى الذى يتربى على «العزلة» و«الغربة» إضافة طبعا إلى الاضطهاد، فيتصور أنه مستهدَف وأن الجميع يقابلونه بمشاعر الغيرة والحقد وهو ما يفسر أن «السلطة: مكافأة الصبر الطويل فى مواجهة الاستبداد».

فى مقابل هذه المشاعر لا يمكن أن يشعر الإخوانى حتى لو فكر أن ما أعلنه المرسى تأسيس لديكتاتورية جديدة الحاكم فيها إله لا يراجعه أحد فى قراراته.

هذه «العين المختارة» لا يمكن أن ترى الأنياب التى خرجت منها مواد الإعلان (المكتوب بركاكة لم تقدر على إخفاء الشراسة والتهافت) ولا تلك المعانى المطاطة فى المادة السادسة التى تتيح للديكتاتور فعل أى شىء إذا ما رأى تعرض مصالح البلد للخطر، وهو ما ترك لتعريفاته وحده.

ولأن العقل الإخوانى تعرَّض لآلية واحدة هى التنظيم والحفاظ عليه، فإنه لم يتعلم كيف يبنى موقفه من خلال قرارات أو معرفة أو منهج ولم يعرف سوى تلقِّى الأوامر والمعرفة من أعلى.

وهكذا فالديكتاتور يختار شعبه ويؤسس لدولة قبيلته ونحن فيها ضيوف أو رعايا مزعجون.

وهذا ما اكتشف المرسى أنه مرفوض ليس فى حارة مزنوقة، ولا فى الظلام، لكن فى كل شارع فى مصر انفجر فى وجه الديكتاتور وقبيلته.

 

التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى