احنا مش خردة!

الخبر يقول “أستاندر أند بور” تخفض تصنيف مصر الأتماني الى مستوى الخردة! وهذا في ذهن العامة معناه لا شيء لأنهم لا يعرفوا معنى التصنيف الإتماني أساساً.
وفي ذهن المعارضة وجمع من الناس معناه ان حكومة الأخوان فاشلة ومرسي لا يعرف وقنديل ضايع (وهو صحيح). وفي ذهن أهل الأستثمار معناه ان هناك أموال ساخنة وصناديق تحوط ستقبل على مصر لتسلفنا بثمن عالي! صحيح ان المخاطر كثيرة لكن صحيح ايضاً ان الأرباح طائلة، لأن تخفيض التصنيف الأتماني معناها زيادة الفائدة التي ندفعها على الديون وبالتالي تزيد حصيلة المقرضين. واخيراً يبقى قلة من الضالعين في التحليلات المالية والفنية الذين يسخروا من مثل هذه التقارير ويقولوا “كداب يا خيشة كداب قوي”. لماذا؟ لأن مؤسسات التصنيف المالي الأمريكية (العالمية بالآحرى) مثل “أستاندر اند بور” و “موديز” و “فتش” أصدروا شهادات عن الأقتصاد الأمريكي انه 100 100 قبل الكارثة العالمية بشهر!! معلش احنا بنتكلم.
وللمهتمين بتفاصيل أكثر عن ماهية هذه المؤسسات وكيف تعمل برجأ الأطلاع على القضايا المرفوعة ضدهم في أمريكا ذاتها من ألاف العملاء المتضرريين من طريقة التقييم التى تمارسها هذه المؤسسات وتسببت في خسارة فادحة لملايين البشر. وأذكر منها قضية شهيرة تم رفعها امام المحاكم الأمريكية في صيف 2008، ملخصها يقول ان رئيس شركة “ناسداك” محتال و”نصب” على علية القوم بأمريكا وأوروبا وأستعان بتقارير تلك المؤسسات التى كانت تضعه في صدارة المستثمرين وتثني على صندوقه الخاص! ثم أنكشف المستور بعد الأزمة المالية العالمية وأتضح ان “مادوف” رئيس مجلس أدارة “ناسدك” نصاب وألتهم ثروات تقدر بحوالي 50 مليار دولار في عملياته!
دعوى أخرى في امريكا رفعها ألاف الضحايا على نفس المؤسسات بسبب تضررهم من شهادات الجدارة التى أصدروها بخصوص قيمة وقوة ومصداقية شهادات “الرهن العقاري” التى ساهموا عبر تقاريرهم في أقبال الناس عليها ورفعها فوق قيمتها بعدة مرات ثم تبين ان كل هذا هراء!! ولا ننسي اليونان التى أكتوت بنفس نار مؤسسات التصنيف هذه حتى كادت ان تفلس لولا تدخل ألمانيا لإنقاذهم! وأذكر كلمة لوزير المالية الألماني آبان الأزمة المالية العاليمة قال فيه: لقد أنتهى عصر امريكا كقطب مالي أوحد، لا نستطيع ان نمنحهم نفس الثقة مرة أخرى.
انهم (مؤسسات التقيم) يرتكبوا جرائم فادحة ليس بسبب تطبيقهم لقانون “فاسد او منحرف” ولكن بسبب مصالح ذوي الياقات البيضاء. ناهيك انهم يحللون الأمور المالية والإتمانية بطرق متشابه لحد التطابق ولذلك يقعوا في نفس الخطأ مع تفاوت في المقدار. والسؤال الآن، كيف نصدق تقارير هذه المؤسسات ونثق في انها تعني شيء حقيقي عن مصر؟ والإجابة، يجب ان لا نهمل هذه التقارير ونضعها في المهملات ولكن يجب ايضاً ان لا نرتفع بها الى اكثر من انها مجرد تقرير لمجموع من المحللين الماليين تقول شيئاً عن الأقتصاد المصري. ويجب ان تتصدي وزارة الأستثمار لمثل هذه التقارير المشبوهة احيناً!
وأرجوا ان نفهم تداعيات تصنيف مصر في “مستوى الخردة” طبقاً لهذه المؤسسات. الأمر لا يعدوا كونه زيادة الفائدة على الأموال التى نقترضها خاصة بالعملة الصعبة، وهو الأمر الذي يجذب صناديق التحوط والأموال الساخنة. هذه الأموال تتكون من رؤوس مال تلعب في الأسواق شديدة المخاطر ويجذبها السعي وراء الأرباح العالية. لاحظ ان الملياردير جورج سورس هو احد أقطاب هذا النوع من التعاملات ولقد عصفت عملياته بأقتصاديات النمور الأسياوية وقت ان كانوا في مرحلة الأنطلاق وتسببت مكاسبه الحادة في خسائر مهولة لأقتصاديات دول جنوب شرق أسيا! بيد اننا لا يجب ان نغفل، ان نفس مؤسسات التقييم هذه كانت تمهد لعملياته بتقاريرها! فأما انهم على توافق او انهم يفهموا قواعد اللعبة ويعرفوا كيف يستولوا على ثروات الشعوب!
من فضلك قبل ان تكمل أقرأ المقطع السابق مرة اخرى. ان تصنيف الدول ايضاً يخضع لهوى رؤوس الأموال وهوى المتحكمين في تدفق الأموال الى الأسواق وهوى الأموال الساخنة التى “تمص دم الشعوب”. أضف الى ذلك جملة قالها جون كيري وزير الخارجية الأمريكي عشية زيارته لمصر “ان مصر أكبر من ان نتركها تفشل وأكبر من ان نتركها بمفردها” والتى تعني ان امريكا حتى وان لم تكن تدير الشأن اليومي بمصر من خلال سفيرتها التى تمتدح وتناهز عن حكم الأخوان ومرسي، فأن أمريكا على الأقل ترسم المسار الذي تمشي فيه مصر برمتها.
مرة اخرى المشلكة ليست في الأقتصاد المصري ولكن المشكلة في انعدام كفأة من يدير! المشكلة ليست في تقارير تكتبها مؤسسات مشبوهة لها أغراض ومصالح ولكن المشكلة في تأثير ذلك علينا وعدم تصدينا له.
المشكلة ليست فقط في فشل الأخوان في ادارة شئون البلاد ولكن ايضاً في “تطبيل المعارضة” لأي مصيبة تحل بالبلد من اجل الكيد في الأخوان. المشلكة ليست في ان الثورة “تفشل” ولكن المشكلة ان لا نفهم ان الثورة أمل في التغيير وان المظاهرة أحساس بالظلم ونظن ان الثورة فوضى وان المظاهرة ان لم تفرض ما نريده فهي مظاهرة “سيس”. نعم مصر اكبر من ان تفشل وشعبها يستطيع ان يقرر في تقرير في أي وقت شاء ما تكتبه التقارير!
الدستور الاصلى






