«طفلة» تلد «طفلة».. ثم رحلة معاناة على فرش «جرائد» فى الهرم

9

 

«أهرام.. أخبار.. جمهورية».. كلمات خرجت من فم طفولى، بصوت رقيق، تطغى عليه عذوبة مخارج الألفاظ، ترقد بجوار والدتها على رأس أحد شوارع الهرم، أمام قطعة خشبية موضوع عليها بضع جرائد، يقتاتون من ورائها الفُتات، أملاً فى ترميم شقتهم الضئيلة بالطعام والشراب.

داخل قرية «سنورس» بمحافظة الفيوم، خرجت الفتاة لحياة بدت فقيرة فى جوانبها، فاقترح رب الأسرة إطلاق اسم «حلا» عليها، فلكل إنسان من اسمه نصيب، علّ اسمها يبعث «حلاوة الدنيا» كبديل عن الفقر المدقع الذى عاشرها طوال سنوات طفولتها، بين أركان ذلك البيت الريفى ترعرعت «حلا»، حتى جاءت تأشيرة العراق لوالدها الذى قرر اصطحابها ووالدتها.. أتعبه الكد والشقاء.. عمل «أرزقياً» تارة.. وحامل «قصعة» مرة أخرى، حتى اندلعت الحرب «الإيرانية – العراقية» فعادوا على أعقابهم خاسرين، مقتنصين فى أيديهم ما تسنى من أموال، إلا أن أساريرهم لم تكد تتهلل بفرحة العودة سالمين، حتى ذهب رب الأسرة إلى بارئه، مُخلفاً وراءه ذرية تتكون من شقيقتين و6 أشقاء.

«حلا» تزوجت فى سن الـ13 بعد أول أيام البلوغ.. وهجرها زوجها لأنها لم تهبه «الولد»

الساعة تدق التاسعة، وقت الخروج للشارع، وانتظار سيارة الجرائد التى تُمدهم ببضع صحف، الطفلة التى لم تبلغ الـ13 عاماً بعد، غير عابئة بمتاعب الحياة، تتوكز عليها والدتها المُسنة، بينما يشرد ذهن «حلا» فى الأطفال الذين يلعبون ويمرحون، ببشرتها السمراء تقف مُتسمرة.. ها قد أتت السيارة التى ينتظرونها منذ وقت طويل، تركت الأم طفلتها «حلا» وذهبت إلى المنزل، وبين الباعة الجائلين بشارع الهرم ذابت، خالجها لأول مرة شعور «الأنثى» عندما خاطبها أحد البائعين الذى لم يبلغ بعد الـ20 عاماً، متفحصاً عينيها ونهديها اللذين لم يكتمل نموهما، وجسدها النحيل، مناغشاً إياها: «ماتيجى نتجوز!»، كادت عيناها تتركان حدقتيها فى تعجب وذهول قبل أن تُجيبه: «كلم أمى».

تزينت الطفلة بأحلى الثياب بعد موافقة الأم على الزواج بحجة «السُترة»، كانت تعلم جيداً أنها «صغيرة على الحب والجواز».. حتى المأذون حصل على رشوة 500 جنيه من أجل إتمام زواج القاصر، إلا أن والدتها أقنعتها «بختك زى بختى»، فالأم تزوجت هى الأخرى ولم تكد تبلغ الـ14 عاماً، ثم طلقها زوجها لتتزوج بعد ذلك والد «حلا»، التى تزوجت فى نفس السنة التى وصلت فيها سن البلوغ، حيث حاضت للتو وأصابتها الدورة الشهرية.. تشابكت يداها بيد من تحب: «هوه كان بيحبنى برضه»، وطغت الرومانسية على علاقتهما فى فترة الخطوبة التى استمرت 3 أشهر: «مقابلتهوش غير مرة واحدة بس».. غطاء رأسها الأبيض وفستانها المُرصع بالإكسسوارات جعلها عروساً، فى فرح شعبى. «كنا عاملين صوان على الضيق تحت بيتنا اللى فى الهرم».. ذهنها الطفولى شرد فى نصائح والدتها، بشأن العلاقة الجنسية وخلافه «طاوعيه فى كل حاجة.. وحماتك تقوليلها (يا أمى)»، خلعت غطاء رأسها فانسدل شعرها الأسود على كتفيها العاريتين، بينما تحسس الزوج جسدها الصغير، مرت عليها ليلة الدخلة بأمان، إلا أن شعوراً جديداً خالجها بأنها قد أصبحت «أنثى».

5 أشهر مرت، ذاب فيها الحب والعشق، داخل منزل «حماتها» بمركز أبشواى بمحافظة الفيوم، حيث كانت تقطن، بينما تلتقى بزوجها كل «خميس وجمعة» من أجل فقط «علاقة جنسية واحدة» لا تكتمل بسبب الخلافات المتكررة: «كان بيشتمنى ويضربنى».. الجنين الذى كانت تحفظه فى رحمها هو ما كان يُصبّرها على «العيشة المرة»، إلا أن زوجها عندما كان يتركها نهاية الأسبوع، تصبح صيداً سهلاً لـ«حماتها»، تقول: «كانت بتورينى الويل»، وذلك كله بسبب «تار بايت»، أصلها كانت عاوزة تجوز ابنها لبنت خالته.. ومكنتش موافقة على جوازتى.. لدرجة أنها كانت عاملالى عمل»، وهو ما دعا الزوجة التى لم تبلغ الـ14 عاماً إلى الإلحاح على زوجها لتوفير سكن فى القاهرة تقترب به من والدتها ورفيق دربها، الذى رمى عليها يمين الطلاق فى إحدى المرات وأصرت هى على عدم معاشرته ليلتها، «قلتله ممنوع تنام معايا ولا اتكشف عليك لحد لما تروح لشيخ وتعمل كفارة اليمين».

تخشى الطلاق لأن «النفقة هتقل» ولن تتمكن من الإنفاق على ابنتها التى أدخلتها مدرسة حكومية

إلى القاهرة جاءت وبين شوارع منطقة الهرم قبعت فى شقة صغيرة بدائية، إلا أن أساريرها كانت مُتهللة: «كنت جنب أمى وأخواتى.. حاسة أن ليا ضهر»، وبدأت القصة الطبيعية «من الدكتور وإليه تذهب وتجىء»، والابتسامة قد طغت بعد فترة طويلة على وجه الزوج لأن الدكتور طمأنه فى إحدى المرات بأن «طفلك القادم ذكر»، كانت فى شهرها التاسع، عندما صمم شقيقها على حضورها «خطوبته» على إحدى الفتيات، استأذنت من زوجها وذهبت، إلا أن آلام «الولادة» باغتتها فجأة، ذهبت بها والدتها إلى أقرب مستشفى، شهقت عند إصابتها بآلام «الطلق»، لتخرج طفلة «أنثى» من رحم طفلة شارف عمرها على الـ14 عاماً.

لم يكن يعلم رب الأسرة بأنه أصبح «أباً»، إلا عندما عادت إلى البيت مع «طفلتها»، «أمى قالتله بعد ما روحت البيت»، تتذكر ذلك اليوم جيداً عندما كانت تلك الشقة الصغيرة مليئة بالـ«بنى آدمين»، حتى دخل الزوج عليهم، فتركوه مع فلذة كبده، رامقاً زوجته بنظرات «مُخيبة للآمال»، فقد كان ينتظر «ذكراً» يحمل اسمه لتخاطبه «حلا»: «متزعلشى يا حبيبى.. النهاردة جبت البنت.. بكره أجيب الواد»، إلا أن «التلكيك» كان الأسلوب الذى اتبعه مع زوجته، حتى جاء موعد «السبوع» وحدث ما حدث: «واحد صاحب أخويا نقط البنت بـ 300 جنيه وسلم عليا»، بينما كان الزوج يقبع داخل الغرفة يُتابع الموقف، لينهرها فى غضب: «إياكى تعملى كده تانى وتسلمى على حد»، ليخرج من الشقة وابنته ما زالت قطعة لحمة حمراء لم تكتمل ملامحها، اللهم سوى اسم ينادونه بها «ندى»، ومنذ هجره لأسرته لم يعد مُطلقاً.

تجلس الطفلة «ندى» صاحبة الـ7 سنوات، بجوار جدتها -التى اكتسبت لفظ «الجدة» وعمرها لم يتجاوز الـ45 عاماً بسبب زواجها المبكر- أمام «فرشة الجرايد»، وبينما تغفو «الجدة» تكِزها الطفلة بيديها، فهى تخشى أن يأتى والدها ويأخذها بالقوة من أحضان جدتها، بينما تقبع الأم «حلا» داخل أحد مكاتب المحاماة، حيث تعمل «ساعية»، وقلبها مُعلق على مشانق الحياة، فأكثر من 7 سنوات مرت ولم يتصل بها زوجها، لم يتكبد مشقة رؤية ابنته إلا بضع مرات، وفى كل مرة ترفضه «ندى»، وعلمت الأم من جيرانها أنه تزوج للمرة الثانية، إلا أنها طوال هذه الفترة لم تطلب الطلاق، واكتفت فقط برفع دعوى «نفقة» قدرها 350 جنيهاً: «لو طلقت منه نفقة بنتى بس اللى هقدر أقبضها وأنا محتاجة المبلغ كله عشان أعرف أصرف عليها»، فـ«ندى» التحقت بإحدى المدارس الحكومية بالهرم، بينما يعتصر الندم قلب أمها بسبب زواجها المُبكر، أما عن شعور «الأنثى» فقد أزالته الهموم والمعاناة، بينما تذوب الفتاة -التى بلغت الـ21 عاماً- فى وعود والدتها: «متقلقيش.. ربنا هيوعدك باللى أحسن منه»

 

الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى