“مشروب «جماهير» المهذبة”

7

 

تماما مثلما حاول العبقرى الراحل ستيفان روستى، الشرير الكوميدى فى فيلم «حب ودموع»، إقناع سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، أطال الله عمرها، بطريقة مفضوحة أن الكونياك هو مشروب الفتاة المهذبة، يحاول المرتزقة، والانتهازيون، والمطبلاتية، والخائفون، وأصحاب مرآة الحب العمياء أن يقنعونا على مر العصور أن الإذعان الكامل لولاة الأمر هو مشروب الجماهير المهذبة، وأن السخرية منهم، أى من ولاة الأمر، تفسد مذاق مَزَّة الطاعة الطازجة التى يجب تناولها مع هذا المشروب. من الواضح أن المعركة التى تدور الآن لتكميم فم باسِم يوسف بقيادة أصحاب السلطة والمصلحة هى محاولة رخيصة لتقديم الكونياك للسيدة «جماهير»، التى ابتدعها برنامج باسِم، لكى تتجرعه راضية حتى يسهل الحصول منها على أعز ما تملك. لم أكد أصدق ما أراه عندما شاهدت بضعة فيديوهات منذ أيام على «يوتيوب» لسيدات ورجال، نسخة طبق الأصل من السيدة البائسة «جماهير» المخدوعة على الدوام، يطالبون فيها الفريق السيسى والمستشار عدلى منصور بمنتهى الغضب والحماس بإعدام الخائن باسِم يوسف لأن السجن المؤبد يعتبر تساهلا معه! هكذا بلا تحقيقات ولا محاكمة ولا قانون ولا نيلة. ماشى، من الممكن أن أطنش وأفهم أن هؤلاء مواطنون غلابة محبون لبطلهم وقعوا فريسة لشحن عاطفى يصنعه الخوف من الإخوان، ومن تفكك الدولة، ومن الرعب من شبح الحرب الأهلية السورية. لكن ما لا أفهمه مطلقا هو المبالغة الإعلامية الفجة التى قادها كتبة الصحف القومية، والتى وصل بعض عناوينها، أى والله العظيم، إلى حد قال فيه أحدهم «فلتسقط الحرية»! يقصد أنه لا يريد الحرية إن كانت ستصنع لنا برامج تسخر من رموز الوطن، على حد قوله.

لم يدرك الرجل بعد كل التضحيات التى قدمها شعبه أن الأنظمة والرموز التى يجب أن نغتال الحرية من أجل عيونها حتى لا تسقطها السخرية لا تستحق أن يحميها أحد. فما بالك بأن نحتمى بها؟ أيها السادة المهذبون، الحاكم يملك العصا والسيف والدبابة، بينما المواطن لا يملك سوى السخرية التى تريدون أن تجردوه منها، والتى رحبَّتم بها عندما استخدمناها كلنا مع باسِم لفضح تناقضات الإخوان والإسلاميين! من المؤكد أن إلغاء برنامج باسِم يوسف لم يتم فقط بضغوط من أصحاب السلطة والمصلحة، لكنه تم أيضا وبلا خداع للنفس لإرضاء السيدة «جماهير». الأمر الذى يثبت، بما لا يدع مجالا لأى شك، أنها شخصية حقيقية لم يبتكرها باسِم وفريق عمل البرنامج! هذه الشخصية غير الافتراضية هى السيدة التى تسلم نفسها بكامل إرادتها للنصاب العشيق، وتدافع عنه باستماتة أمام من ينصحونها، بل وتخربشهم بأظافرها ثم تعود بعدها بأيام منكسرة تشكو حالها الكرب إلى طبيب القلوب، المذيع أسامة منير، وتخبره باكية أن عشيقها خدعها وغرر بها. «حبيته وصدقته يا أسامة واديته كل حاجة وبعدها رمانى زى الكلبة»! ألا يصنع هذا بجدارة فيلما يليق به اسم «حب ودموع»؟! الدولة المهذبة يا حضرات ليست هى الدولة التى يجب أن يستأذن فيها المواطن قبل أن يعترض على الحاكم الذى يصفعه على قفاه. لكنها الدولة التى يجب أن يعيش فيها الحاكم خائفا على قفاه من صفعات المواطنين الذين يجب أن لا يجرؤوا على انتهاك حقوقهم، بل وأن يقبل راضيا أن يعترض أقلهم شأنا على سياساته ويقذفه بالطماطم العطنة والبيض الفاسد فى حياد تام من الشرطة، وأن لا يخشى من برنامج ساخر يفضح تناقضاته. يفعل الحاكم هذا فى الدول المتقدمة لأنه ارتضى لنفسه أن يتولى إدارة الشأن العام الذى يخص الجميع. لن نصنع دولة محترمة ما دامت كانت عقيدة كل من يصل إلى السلطة أنها فرصته الكبرى لكى يصدر القوانين التى تحقق مصالحه، وأن يجند مؤسسات الدولة والمطبلاتية، وأصحاب المصالح، ورجال الأعمال لكى يسحقوا أى معارضة يواجهها. نصيحتى إلى باسِم أن يعود إلى «يوتيوب»، من حيث بدأ، إن كان حقا يريد أن يثبت أنه صاحب المبدأ الذى يريد أن يستكمل رسالته باستخدام السخرية، فهناك فى الفضاء المعلوماتى سيجد براحًا رحْبًا يلدغ فيه من يستحقون لدغاته بعيدا عن نقود ونفوذ أصحاب القنوات والمعلنين. أعرف أن رأس المال جبان، وأن مايسترو الثورة المضادة يقود الآن أوركسترا العودة إلى الماضى باستخدام عازفى الإيقاع من المطبلاتية ورموز الانتهازية السياسية والبشر العاديين الخائفين ليقدم لنا سيمفونية الشراسة من مقام «صول كبير».

ثورة يناير كانت أول خطوة لنا على طريق الدولة المدنية الحديثة التى نتمناها، ولن نسمح لكائن من كان أن يجعلنا نتجرع مشروب الجماهير المهذبة لكى نتجرد أمامه طواعية من كرامتنا وملابسنا، لأن هذا كان غرض ستيفان روستى من محاولته لإقناع فاتن حمامة، التى لم تستسلم له، بأن الكونياك هو مشروب الفتاة المهذبة.

 

التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى