دفاعًا عن حقوق الإنسان

 

26

 

 

هل تصدقين الآن أن جمال عبد الناصر افترى على الإخوان كذبًا حين اتهمهم بتشكيل تنظيمات؟

غالبا، إن لم تكونى من الإخوان المسلمين، ستصدقين. أنا أيضا كنت أظنه افترى عليهم هذه الكذبة، لكى يبرر قمعهم، كما قمع غيرهم. فما الذى حدث وجعلنا نعيد النظر فى قناعاتنا السابقة؟

بالضبط. أفعال الإخوان أنفسهم لا غيرهم. هذا ما أريد أن أقوله هنا. احذرى -فى حربك مع أعدائك- أن تتحولى إلى أكثرهم خطرًا على نفسك. احذرى أن تكون أفعالك دليلًا دامغًا على إدانة نفسك، دليلًا دامغًا على أنك مجرمة.

هذا ما يفعله الإخوان الآن بأنفسهم. خيوطهم المسلحة انكشفت أمام الناس. فأسقطوا عن أنفسهم كل «شرعية» سياسية. حيازة حزب سياسى على ميليشيات مسلحة إحدى كبائر السياسة التى لا تغتفر إلا بحل الميليشيات، تسليم الأسلحة، وفك التنظيم. لأن وجود ميليشيات مسلحة يعنى الإخلال بمبدأ تكافؤ الفرص السياسية، ويعنى إقامة دولة داخل الدولة، ويعنى تشجيع الآخرين على حيازة السلاح واستخدامه، أو الإذعان. هل من العدل أن تعقدى اتفاقًا تجاريًّا، أو تكتبى عقد بيع وشراء، تحت تهديد السلاح؟!

لقد أثبتت أفعال الإخوان أنهم كانوا كاذبين. الميليشيات المسلحة لا تظهر بين يوم وليلة. الميليشيات المسلحة تعنى جهودا لوجستية وتنظيمية ممتدة منذ سنوات. الميليشيات المسلحة معناها نية مبيتة للغدر. الميليشيات المسلحة تعنى أفواهًا مفتوحة تريد مزيدًا من النفوذ السياسى، لا تحصل عليه بعرض أفكارها على الناس، بل بعرض خدماتها على السياسيين. هذه كارثة الكوارث.

وهى كارثة ليست على الإخوان أنفسهم، بل على قضية حقوق الإنسان نفسها. هذا هو الطرف الثانى الذى لا ينتبه إلى أنه يهزم نفسه بنفسه، وليس بحجج خصومه.

وهنا أحب أن أشدد فى البداية على أن قضية حقوق الإنسان قضية محورية، أساسية، وليست رفاهية. لأنها الدعامة التى تجعل المواطنة والمواطن يشعران بالقيمة الإنسانية، وبالأمان، وبالقدرة على التعبير عن الرأى. أقول هذا بداية حتى لا يساء فهم القادم.

وقد قلت هذا، فإن أى تهاون مع انتهاكات الإخوان لحقوق الإنسان هو أيضا تهاون مع حقوق الإنسان. القضية، كونها قضية حقوقية قانونية، يجب أن تعمل بمبدأ المرأة معصوبة العينين التى تحمل ميزانًا فى يدها. لا ترى مَن المتخاصمان. بل تحكم موضوعيا.

فلا تجعلى الناس تنقلب على حقوق الإنسان بإشعارهم أنه مفهوم يعمل ضد مصلحتهم، وضد أمنهم، بل وضد حياتهم. لقد مرت مجتمعات متحضرة، حرة، ديمقراطية، بتجربة مريرة فى العقد الأول من القرن الواحد والعشرين. شهدت فيها دول غربية تفجيرات كبرى أودت بحياة آلاف. وبعد مناقشات وجدل استقر الموضوع. عنصر الاستقرار -من وجهة نظرى- يتلخص فى السطر التالى.

قضية حقوق الإنسان يجب أن تخرج من دائرة السياسة إلى دائرة القانون. بحيث يكون روح القانون الخروج من دائرة الامتيازات لجماعات معينة إلى دائرة المساواة بين الجميع. وأن يتم التعامل مع التحريض والعزم على القتل بجدية، وأن تترسخ إدانتُه بالقانون، على الجميع، بغض النظر عن المبررات التى يسوقها أى طرف.

إنما الحال الآن أننا نرى سياسيًّا تبنى قوانين العزل، وقدمها بنفسه فى مجلس الشعب، هو الذى يتبنى دعوة «لا للإقصاء»، دون أن يضع الموضوع فى إطار الإذعان القانونى الذى يجعل الممارسة السياسية الشاملة للجميع عدلًا للجميع، وليست منحازة لطرف المستفيدين بالدين، وكما تكشف الآن بالدليل القاطع، بالسلاح أيضا.

كما أننا نرى حقوقيين يسكتون عن التحريض الذى يهدد الحق الأول من حقوق الإنسان، وعن التعصب الذى يهدد حرية العقيدة، وعن الميليشيات المسلحة التى تهدد حق التعبير السياسى، بل وعن القتل، ثم يتحدثون عن حقوق الطرف الذى يفعل ذلك كله. وحده. تحدثى عن حقوقهم، هذا عمل عظيم، نحتاج إليه جدا حتى لا نفقد بوصلة توجهنا نحو مجتمع إنسانى كريم متسامح. لكن. بنفس القدر، بنفس النبرة، بنفس «الحرقة»، تحدثى عن حقوق الآخرين. وإلا كذبت نفسك بنفسك.

لنتعلم من تجربة الغرب قبل أن ندفع ثمن التراخى والتباس المفاهيم وعدم إدراك الخطر، كما دفعوا. وربما أكثر. لأننا لا نملك من إمكانيات الهجوم المضاد ما يملكون.

 

التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى