وحيد عبد المجيد يكتب “العنف بين المحترفين والهواة”

1 فبراير 2013, 12:19 ص

waheed_am

استمدت ثورة 25 يناير قوتها من سلميتها. وكان شعار «سلمية.. سلمية» تعبيراً عن هذه القوة المعنوية والأخلاقية التى ينبغى الحفاظ عليها من أجل تحقيق أهداف ثورة يحاول من سلبوها شيطنتها مستغلين لجوء مجموعات صغيرة من الشباب إلى العنف.

فقد نشطت محاولات تشويه هذه الثورة فى لحظة استثنائية يسهل فيها خلط الأوراق وخداع قطاع واسع من المصريين الذين يفزعهم أى عنف ويهفون إلى الاستقرار. وما هذا التشويه، فيما يظن القائمون به، إلا الطلقة الأخيرة التى يريدون لها أن تجهز على الثورة.

ولكن هؤلاء الذين يعتقدون أن الثورة باتت فى نزعها الأخير وأن فى إمكانهم إخضاع الشعب مجدداً- لا يدركون أن الوعى عاد إلى قطاعات متزايدة من المصريين فصاروا قادرين على إدراك ما يحدث حولهم.

ولذلك يعرف كثير من أبناء شعبنا أن لجوء أعداد محدودة من الشباب- الذى ضل الطريق- إلى بعض أشكال العنف حدث تلقائيا لسببين: أولهما ازدياد الإحباط وتراكمه وفقدان الثقة فى السلطة القائمة وفى قوى المعارضة على حد سواء، ومن ثم غياب الأمل فى المستقبل. وثانيهما الغضب من صمت تلك السلطة إزاء ممارسات عنف منظم ومنهجى من جانب أنصارها.

فكان بعض أتباع السلطة هم الذين بدأوا العنف، وعلى أصوله التى يمارسها محترفون، عندما هاجموا معتصمين سلميين أمام قصر الاتحادية كانوا يعبرون عن احتجاجهم على «إعلان دستورى» صدم المجتمع كله.

وكان بعض مؤيدى السلطة هم الذين واصلوا العنف، عندما حاصروا مقر المحكمة الدستورية العليا ومنعوها من ممارسة عملها وعطلوا سير العدالة التى لا تستقيم الحياة فى غيابها.

كما كان أنصار السلطة هم الذين مارسوا العنف عندما حاصروا مدينة الإنتاج الإعلامى وأفزعوا العاملين فيها واعتدوا على بعض ضيوف القنوات الفضائية التى تبث منها.

فماذا كنا ننتظر من شباب صغير حديث العهد بالسياسة، ومحدود الوعى، حين يرى هذا العنف الذى يمارسه أنصار السلطة فى الوقت الذى يتبدد أمله فى تحقيق أهداف الثورة؟ وأى رسالة يمكن أن تصل شابا صغيرا يمكن أن يفقد الاتجاه فى مثل هذا الوضع، خصوصاً حين تكون المعارضة- التى يفترض فيها أن تعبر عنه- متخبطة وعاجزة عن تنظيم نفسها وتقديم بديل يعيد الثقة إليه فى إمكان تحقيق أهداف الثورة ويفتح باب الأمل أمامه مجدداًَ؟

ومع ذلك كان ممكناً ألاَّ يؤدى لجوء قليل من الشباب إلى العنف المرفوض أثراً ملموساً فى المشهد لولا تزامن ذلك مع الأجواء الثقيلة عشية قرار المحكمة فى قضية استاد بورسعيد، وما اقترن بها من «إنذارات» عنيفة وجهها ألتراس أهلاوى، ثم ممارسات أكثر عنفاً أعقبت إصدار ذلك القرار صباح السبت الماضى، واختلاط هذا كله بأعمال بلطجة جنائية. ولا ننسى دور أطفال الشوارع ضحايا هذا العصر الذين تحول بعضهم إلى وقود لأى عنف يحدث.

وأتاح اختلاط الحابل بالنابل على هذا النحو فرصة لبعض محترفى ممارسة العنف لتقديم أنفسهم كما لو أنهم حمائم سلام. وبدا المشهد معكوساً عندما استغل البعض تورط شبان صغار فى أعمال عنف بدائية تدل على أنهم مجرد هواة سعياً إلى شيطنة الثورة التى كان لها الفضل الأول فى صعودهم سياسيا.

وشتَّان بين العنف الاحترافى الذى مارسه بعض أنصار السلطة، وعنف الهواة البدائى الذى لجأ إليه شبان ضلوا الطريق بعد أن دُفعوا فى هذا الاتجاه الخطر دفعاً نتيجة سياسات هذه السلطة نفسها. فهم يشعرون بأن الحرية التى انتزعها المصريون صارت مهددة. وهم يصرون على عدم السماح لأى سلطة، وليست السلطة الحالية فقط، بخنقهم مرة أخرى. وهم لا يجدون مؤشراً واحداً على إمكان تحقيق عدالة اجتماعية فى مجتمع بلغ فيه الفقر والتهميش أعلى مبلغ، بينما يحاول بعض أنصار السلطة إخفاء فداحة الانقسام الطبقى عبر خلق انقسام على الهوية.

غير أن هذا الشباب يخطئ ويضل الطريق حين يلجأ إلى عنف يظنه رادعاً لمن سلبوا الثورة بينما هو فى الحقيقة عون لهم يسهل مهمتهم ويساعدهم على تحقيق هدفهم. فليعلم هؤلاء الشباب أن قطع الطريق فى هذا الشارع أو على ذاك الجسر إنَّما يساعد من سلبوا الثورة على قطع الطريق أمام من يناضلون سلمياً من أجل إعادتها إلى أصحابها.. وهم المصريون جميعهم بكل فئاتهم وانتماءاتهم وأجيالهم.

المصرى اليوم

(Visited 1 times, 1 visits today)