من مذكرات «أنبوبة فاضية»

9

 

 

1) هذا الصباح الخريفىّ الرائع هو مطلع أيام الجوع التى يبدو أنها ستكون طويلة (هكذا يحدّثنى قلبى الحديدى)، لقد فرغ الغاز من جوفى مساء، أمس لكنى خلدت للنوم مع سكان هذا الجحر الذى يسمونه بيتا.. هو طبعا لا يمت إلى البيوت التى كثيرًا ما أويت فيها بأية صلة، فهنا مثلا لا يوجد سيراميك أو رخام ولا شىء من زينة وملامح المطابخ والحمامات التى أعرفها.. فى الواقع لا يوجد فى هذا المكان مطبخ ولا حمام أصلًا، بل الموضوع كله مجرد أربعة جدران رطبة بائسة تسيّجنا وننحشر نحن جميعًا وسطها، وأقصد بـ«نحن»: محسوبتك «الأنبوبة»، وذاك «البوتاجاز» المسطَّح التعبان الذى كنت أغذى شعلتيه اليتيمتين غازًا قبل أن يجفّ ضرعى وينضب مَعِينى، وبضع حلل وأطباق مضعضعة، فضلا عن سرير واحد مُهدَّم يلتهم أغلب فراغ الغرفة مع بضع «كراكيب» غير معروف كنهها، ثم… ثم لا شىء آخر سوى كومة من اللحم البشرى المكدود تتكون من رجل وامرأة وعيال مفاعيص تتفاوت حظوظهم من الشقاوة، بيد أن حظَّهم من الأنيميا وسوء التغذية وافر وواضح جدًّا.

(2) أظنّ أن السطور السابقة مكرَّرة، فقد كتبتها فى موضع آخر من هذه المذكرات، لكنى أعيدها الآن لكى أعترف بأننى صرت متعاطفة بشدة مع هؤلاء الناس، وتَبخَّر شعور القرف والاشمئناط الذى بدأَت به عشرتى معهم قبل أسابيع، فقد كنت وقتها لا أزال متأثرة بالمصادفة التى جعلتنى أتنقل على مدى شهور متصلة بين عدة بيوت مستورة تمتعت فى بعضها بعيشة فاخرة وآيات من «الدلع» المفرط، ليس أقلها التدثر بغطاء (فى الواقع هو «فستان») بلاستيكى مزركش وأنيق، وكذلك القعدة طول الوقت على مقعدة تعزل مؤخرتى عن برودة السيراميك التى هى أصلا لذيذة ومنعشة (أين منها الأرضُ المتربة المبلولة التى أقف عليها فى هذه اللحظة؟).. باختصار، عندما أتيت إلى هذا الجحر كنت نسيت تماما تلك الحكمة الخالدة التى نتداولها نحن معشر الأنابيب ونتوارثها من جيل إلى جيل وتقول: «شوية فوق وشوية تحت.. هذه هى الحياة»، أو كما يقال بالفرنسية الفصحى «c>est la vie».

(3) غنىّ عن البيان أننى لم أعمل شيئًا هذا الصباح بسبب جفافى وفراغى (كان العمل فى هذا الجحر دائمًا خفيفًا وهيِّنًا لأسباب مفهومة)، ولست أعرف كيف أطاقَ الرجل الصيام عن اصطباحة «الشاى الحبر» الذى يجرح به ريقه كل يوم قبل أن تقوم العصافير من مخادعها، كل ما أعرفه أننى سمعته بأذنى الحديدية هذه التى سيأكلها الصدأ وهو يتجشأ ويكحّ بعنف ويأمر الست حرمه المصون بالكف عن «اللكاعة» وأن تقوم فورًا وتحملنى وتذهب بى إلى «مستودع الأنابيب»، لعل وعسى يفرجها ربنا وتنجح فى استبدال أنبوبة زميلة بى، شبعانة ومُترَعة بالغاز.. غير أن الست اتلكّعت وبقيت كعادتها الصباحية اليومية تتوجع وتشكو من كل حاجة فيما هى تصرخ فى عيالها وتزغد هذا وتلكز تلك هاتفةً «قوم يا واد، قومى يا بت»، وما من مجيب.. ثم أخيرًا هيلا هوب، رفعتنى إلى عنان السماء وهبطت بى على رأسها هامسة: «آه يانا يا غُلبِى!»، ومن فرط طيبتها وحرصها علىَّ أبت أن تُنزِلَنى من فوق دماغها وتمرمغنى على أسفلت الشارع العمومى الذى وصلت إليه الست بطلوع الروح، بل لقد أبقتنى فى عليائى حتى أتى الميكروباص الذى ناهدها سائقُه وطالبها بأن تدفع أجرتين، واحدة لها وأخرى لى، غير أن الستّ ناهدته وتوسلت بالمنطق الشكلىّ تارة وبالمحايلة تارة أخرى حتى اضطُر إلى القبول صاغرًا بنُصّ جنيه زيادة وخلاص.

(4) نهب الميكروباص الشوارع المزدحمة نهبًا وعبر بنا «مزلقانات» وكبارى وحاجات، واخترق جبالًا شَمَّاء من الزبالة، وغاص وجاس فى محيطات وَحْل وطين، ثم سلّمَنا لـ«توك توك» ممسوس بشياطين زرق راح يتنطط ويتقافز بنا ذات اليمين وذات اليسار، حتى وصلنا أخيرا إلى «المستودع»، ولدهشتى فقد وجدت منظر محيطه المترب المترامى كأنه مشهد منقول من يوم الحشر العظيم.. كان بإمكانى من موقعى فوق دماغ الست (التى قطع المشوار أنفاسها وأعدَمَها العافية تمامًا) أن أرى حشودًا تسدّ الأفق اختلط فيها البشر بزملائى وأخواتى الأنابيب لدرجة أنك فى هذا الخِضَمّ ربما لا تستطيع التمييز بين رجل وامرأة، وعيّل وأنبوبة.. كان «الكل فى واحد» فعلًا، وبدت لى الوحدة الوطنية ووحدة عناصر الكون وقد تَجلَّت فى هذا المكان على نحو بليغ ورائع.

(5) فى البداية غمرنى المشهد العجيب هذا بمشاعر إثارة ونشوة عارمتين ألهتانى تمامًا عن ألم الجوع والخواء، والحقيقة أننى أنفقت وقتًا ليس قليلًا فى تبادُل التحية والسؤال عن الصحة والأحوال مع صديقاتى وزميلاتى الأنابيب، لا سيما وأنى لم أكن قد رأيت بعضهن من أزمان سحيقة.. لكن بمرور الوقت وتداعى الساعات الطوال فوق بعضها، ساد الملل والزهق، وتفاقم الوضع وأمعن فى السوء رويدًا رويدًا حتى استحال الزحام إلى طوفان كاسح من الفوضى، ولست أدرى حتى الساعة ما الذى حدث بالضبط لحظة انطلاق الجحيم من عقاله، كل ما أتذكره أن أجسادًا بشرية عديدة لمحتُها معجونة وتنزّ دماءً فوق التراب…

أكتب هذه السطور الآن من مكان مُعتِم مجهول وقلبى الحديدىّ يكاد ينفطر من شدة الخوف والقلق على الست التى حملَتنى فى الصباح فوق رأسها.. أخشى أنها ماتت فى الطوفان.

 

التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى