وداعا قداسة البابا.. يا ملح الأرض الطيبة

كتب: محمد صالح عبد الله
يقول الله في قرآنه الكريم: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا
يَسْتَكْبِرُونَ}… لا أدري لماذا عندما كنت صغيرا كلما أسمع هذه الآية يتمثّل أمامي البابا شنودة الراحل قريبا عن دنيانا إلى عالم آخر..
يتمثل لي الرجل بأخلاقه اللينة وكلماته الدافئة وروحه الحاضرة التي لا تتمالك إلا أن تفتح قلبك لها فتتسلل بين جنباتك، لتصغي إلى
كلام تجده لا يختلف كثيرا مع قناعاتك ولا يصطدم مع معتقداتك، رغم أنك قد تتوجس من صورة الصليب الذي يحمله، والرسوم على
ملبسه..
وكبرت وكبر معي الاسم والوجه والسمات، الرجل الهادئ الرزين الباسم دائما، الذي يصوّر لك معنى “لا يستكبرون” بكل ما تحمل
الكلمة من معنى، رغم كل المهابة التي يحظى بها الرجل، لكنك لا ترى فيه أكثر من مدلول كلمة “بابا” البسيط الذي قد لا تعرف معناه
الكبير، لكنك تشعر بمعناه القريب..
لا أشعر بأنني أقترف حراما عندما أحس بهذه الألفة تجاه البابا شنودة، ولا أجدني أقع في ذنب كمسلم حين أحب أن أستمع إليه وأتابع
أحاديثه وتعليقاته على الأحداث، من سياسة واقتصاد ومجتمع وأسرة..
ومن الطبيعي أن يكون رحيل البابا شنودة مصدر ألم بالنسبة لي، ليس لأي معنى كبير أو مدلول عقائدي ضخم، فأنا أظن الأمر أهون
من ذلك، لقد وقف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- احتراما لجنازة يهودي لا يعرفه، فكيف أقهر نفسي لتتحجر إزاء وفاة رجل شكّل
وجدان قطاع كبير في هذا البلد الطيب، إنه ملح الأرض.. الصوت الوديع الإلف المألوف.. الحضن الكبير لقلوب استوحشت الدنيا
فوجدت في قلبه الرحابة، والكلمة الحسنى لآذان آذاها الضجيج، والحل السهل لأب تعس مع أبنائه، والملاذ الآمن لطريد شردته الأيام، والدعاء الصادق لمحروم يستحق الرثاء..
كيف يكون رحيل البابا شنودة أمرا عاديا كرحيل غيره، وهو في الحياة لم يكن عاديا كغيره، بإمكاني إن أردت أن نفتح صفحات كتب
التراث، ونتصارع مع بحوث علمية تجيز تعزية المسيحي، وتقدّس الروح، وشواهد تبيح الدعاء للمسيحي بالرحمة، والله في النهاية
يقبل ما يقبل، وإن يرسلها فلا ممسك لها، ولكني لن أخوض في ذلك؛ لأن ذكرى الراحل تعبق المكان والزمان بروح التسامح والحب والإخاء، وتعطر الأجواء بنداء الرحمة والمحبة..
أردت فقط -كمسلم- أن أرسل وداعا أخيرا لقداسة البابا القريب من قلب كل مصري،،،
| تم نشر هذا المقال في نفس التوقيت من العام الماضي.. نعيد نشره في الذكرى السنوية الأولى لرحيل البابا شنودة الثالث؛ عرفانا بحق الراحل وطيب أثره على الساحة الدينية والسياسية والاجتماعية لمصر والمصريين. |
.





