مجرد فكرة المذكرات

توقفت طويلا عند الخبر الذى يؤكد ان الدكتور ياسر على الذى كان متحدثا باسم رئاسة الجمهورية ، يستعد لنشر مذكراته عن الفترة التى قضاها فى هذه الوظيفة، وبصراحة لم أتوقف لأى لحظة عند مضمون هذه المذكرات، والتى ثار حولها جدل، (اذا ما كان قد كتب كيف تمت الاطاحة بالمشير طنطاوى والفريق سامى عنان) فقط كنت اريد ان اعرف لو ان هذا من خيال الاعلام، لكن تأكدت ان الرجل جاد فى نشره لما شاهد ورأى وعرف ما دار داخل القصر الرئاسى لفترة لا تتجاوز الشهور الثمانية.
بصراحة كنت اعتقد ان مؤسسة الرئاسة، بما فيها متحدثها الرسمى، تدرك حجم الازمة التى تعيشها البلاد، وتفهم جيدا عمق المأزق الاقتصادى الذى يهددها، بل وكنت اعتقد ان الدكتور ياسر، شخصيا قد عرف فى هذه الشهور ما لم يعرفه فى حياته، خاصة انه لم يكن متحدثا ناجحا بأى حال، فقد كان الرجل ينفى ما يصرح به، ويؤكد ما نفاه من قبل، وان خروجه من الرئاسة هو انقاذ على المستوى الشخصى، واعتقد انه ايضا انقاذ للرئيس خاصة فى ظل استبدال الدكتور ياسر برجال اشداء من الخارجية يعلمون ماذا يقولون، وان ذهابه لمركز معلومات مجلس الوزراء فرصة كى يثبت لنا الرجل كفاءة ويقدم ادلته على مهاراته التى شكك فيها الكثيرون، بصراحة الرجل رفض كل ذلك وضرب بها عرض الحائط، واختار ان يسير فى ذات الطريق، المعلومات المشوشة، والتى اختلطت على الجميع واضطر لنفى ما اشارت اليه بعض وسائل الاعلام عن مذكراته، تماما مثلما كان يخرج وينفى تصريحاته الرئاسية.
لم يفهم الدكتور ياسر دقة الموقف، ولم يعرف كيف يصيغ خروجه من موقعه، وجعل كل شىء خشنا، وكان يملك خروجا ناعما يريحه ويريح الجماعة التى ينتمى اليها، صحيح ان دول العالم تعرف مذكرات المسئولين بعد مغادرة مناصبهم، لكن لا الوقت الذى شغله فى الوظيفة ولا الظروف التى خرج فيها ولا ظروف بلاده كانت تسمح بالاعلان عن كتابة مذكرات بهذه السرعة، والقصة كلها تعكس الطبيعة غير المنضبطة التى كان يسير بها العمل الاعلامى داخل الرئاسة، وتفسر لنا الكثير من الارتباكات التى شهدناها خلال الشهور الماضية، وربما كانت هذه الارتباكات وراء الكثير من الازمات السياسية الكبرى.
اعتقد ان الفرصة مازالت مواتية امام الدكتور ياسر ليتراجع عما أثاره من بلبلة ولغط فى جميع الاوساط، خاصة ان حالة الالتهاب السياسى لا تسمح حاليا بإثارة قضايا جديدة أو الكشف عن معلومات كانت خافية على الرأى العام، خاصة انه كان قريبا من الرئيس، وما قد يعتقد انه يساعد او يعضد موقف الرئيس بما سيكشف من مواقف واسرار، فلا شىء يمكن ان يكون فى صالح الرئيس، لأن كل القوى ستفسر ما يقول على هواها، ويكفى ان ما تسرب من مذكراته، دفع الجميع للهجوم على الرئاسة وعليه، واضطر هو لممارسة هوايته المحببة فى النفى. لم يدرك الدكتور ياسر على ان مجرد فكرة كتابة مذكراته ستثير استياء الجميع، هذا من جانب، ومن جانب آخر لا افهم لماذا يستعجل فى الكتابة هل يعتقد ان تاريخه السياسى انتهى بخروجه من القصر، ام ان فكرة الاستعجال عقيدة فى حد ذاتها لديه؟ يا دكتور ياسر ليس مهما الآن ما حدث فى القصر بل المهم إلى اين يأخذنا القصر وساكنوه.. وتلك هى المشكلة التى كنت جزءا منها، فهل لديك من الشجاعة والقوة لتكتب الحقيقة بما فيها حقيقة خروجك؟
دكتور ياسر.. أعرض عن هذا.
الشروق





