حول عودة «الدولة البوليسية»

قرأت تعبير «الدولة البوليسية» مرة على لسان حمدين صباحي ، وقرأته مرة أخرى في تغريدة لعمرو حمزاوي. الأول قال إذا عادت سوف نثور علىها ، والثاني كان يشكو مما قال أنه «عودة أصواتها».. وأظن أن الاثنين يقصدان معنى واحدًا .. وأعتقد أن الحديث عن «الدولة البوليسية» هو هروب صريح من المواجهة مع مفهوم «الدولة العسكرية».. أو أنه ابتعاد عن وصف متداول لما يعرف بـ «الدولة العميقة».
يقصد بـ «الدولة البوليسية» تلك التي يزداد فيها تأثير المؤسسات الأمنية على القرار السياسي، وطغيان تداخلها في تفاصيل الحياة العامة، وهو اصطلاح ازداد ترويجه في السنوات الأخيرة من عصر مبارك على حكمه.. خصوصًا مع زيادة دور ونفوذ وزير الداخلية الأسبق اللواء حبيب العادلي.
لديَّ مقاربة متعمقة ومطولة بشأن الأسباب التي أدت إلى تنامي دور حبيب العادلي، سوف يحين وقت نشرها، وقد عقبت في نهاية تحليل مطول حول ذلك أن هدفه لم يكن تقييد المعارضة والتيارات الأخرى حولها ، بقدر ما كان هدفه إبقاء دور الجهاز الأمني مؤثرًا في المنافسة مع الظهير السياسي الحزبي للحكم ممثلًا في حزب الأغلبية.
من الواجب أن يواجه الجميع أي تنامٍ لنفوذ «الدولة البوليسية»، حين يكون معنى هذا هو امتهان حقوق الإنسان ، أو مخالفة القانون، أو تقييد السياسة، أو خنق الحريات .. غير أن هذا حديث يثير التساؤلات، بينما لم تستعد المؤسسات الأمنية دورها الأهم والأبسط والضروري من أجل حماية الأمن واستعادة الاستقرار .. ومن الغريب أن يردد سياسيون هذا الحديث في مرحلة قيد التشكل، والمطلوب فيها أن يكون للأمن دور محوري، خصوصًا أن الخطر الأهم الذي تواجهه الدولة أمني في الأساس.
للمسألة وجهان. الأول هو : متى يمكن أن يتسع نفوذ «المؤسسة الأمنية»؟ والثاني هو: ما هو مطلوب الآن وتحتاجه مصر من تطوير في تلك المؤسسة؟
إذا انفجرت «ماسورة مياه» في أي حي، سوف يتصل أي مواطن مباشرة برقم النجدة، التابع لوزارة الداخلية، ومن ثم تتصل النجدة بغرفة عمليات المحافظة، التي سيكون علىها أن ترسل الإعانة والإنقاذ اللازمين. هذا الاتصال البسيط من أجل حدث عادي سببه أن الإدارة المحلية ليست على قدر تواصل ناضج وسليم مع المواطن الذي يحتاجها، ونتيجة لوجود هذا الفراغ فإن المواطن قد ملأه عن طريق الشرطة أو أن الشرطة هي التي ملأته من نفسها .. لأن مهمتها في حفظ الأمن تقول أنه يمكن أن يغضب الناس ويؤدي غضبهم إلى مشكلة أمنية بسبب انفجار ماسورة.
في بلد يصف المواطن العادي الشرطة بأنها «الحكومة» ، قد لا يكون هذا هو ذنب الشرطة بنفس قدر ما هو مشكلة «الحكومة».. وحين لا تملأ المؤسسات مساحاتها يتزايد نفوذ الأمن بشكل تلقائي، وحين تفشل الأحزاب في أن تملأ الشارع وتحقق تعبيرًا عن اتجاهاته يكون هذا فراغًا جاهزًا لمن يشغله.. فإما استغله التطرف كما حدث في فترات سابقة، خصوصًا خلال العامين الأخيرين أو استغلته الجريمة والظواهر الخطرة.
بمعنى أوضح الفشل الخدمي والسياسي هو الذي يتيح مساحات، لاتملأها تصريحات الانتقاد أو كلمات غاضبة من «دولة بوليسية» لا وجود لها في وقت لم تتمكن بعد المؤسسة الأمنية من أن تسيطر على حدود دورها الأولى.. فما بالنا بنمو نفوذها فوق هذا الدور وبعده. إن أي حديث متوتر عن عودة «الدولة البوليسية» يُسئل عنه السياسي قبل أن يكون مشكلة الأمني ، وفي ظل مشكلة أمنية فادحة لا يمكن توقع أن يستجيب المواطن إلى انتقادات مماثلة، بينما هو يطالب المؤسسة الأمنية بأن تشدد إجراءاتها حتى يستعيد شعوره بالأمن.
في الوجه الآخر للمسألة قد يكون صدفة أن الهجوم الذي تتعرض له المؤسسة الأمنية نابع من تلاقٍ بين تبرم التطرف الديني من ملاحقات الأمن بعد ترويع الإخوان وحلفائهم للمواطنين خلال الفترة الماضية، وأصوات تعتقد أنها في مواجهة مع يظنون أنهم خاضعون لتحريك «المؤسسة الأمنية».. لكن الذي ليس صدفة هو أن عددًا من السياسيين قد شن حملة كبرى على المؤسسة الأمنية في أعقاب 25 يناير، لأسباب مختلفة، كثير منها مبرر، وبصورة كانت تحتاجها المؤسسة لكي تستفيق وتستقيم.. على أن هذه الحملة آن لها أن تتوقف لدواعٍ وطنية ولأنه من الواجب أن نعين تلك المؤسسة على أن تستعيد كفاءتها من أجل مهمتها الأصلية.
خلال حكم الإخوان، وأشهر سبقته ، ضغطت الجماعة لتفكيك المؤسسة الأمنية، لاسيما وزارة الداخلية، بينما صمدت المخابرات العامة في وجه الأنواء بأساليب مختلفة. وتحت شعارات «إعادة الهيكلة» كان أن خطط الإخوان لجعل مديريات الأمن تابعة للمحافظين، وإلغاء كلية الشرطة وتفتيتها إلى معاهد إقليمية تؤهل كوادر إخوانية دون غيرها، وبما في ذلك محاولة فصل مصلحة الأحوال المدنية عن وزارة الداخلية.
لقد تورط عدد من السياسيين، ممن لا ينتمون إلى الإخوان وجماعات التطرف، في مساندة شعار إعادة الهيكلة دون وعي إلى طبيعة المخطط الذي هدف إلى أخونة المؤسسة الأمنية. ومن ثم كان أن أوقفت 30 يونيو تلك الخطط، والأهم أنها أعطت للمؤسسة الأمنية ثقة عامة جديدة ودفعة معنوية، بسبب مشاركة ضباط الشرطة وعائلاتهم في الثورة ..ولأن الداخلية رفضت أن تفرض حماية على مقرات الإخوان في مواجهة المصريين الغاضبين.
إن المطلوب الآن ليس الهجوم على المؤسسة الأمنية، بقدر ما هو مطلوب دعمها، والنقاش العام حول تطويرها وترقية أدائها في إطار القانون ووفق معايير حقوق الإنسان، وبدون أن تتمدد إلى ما لا يعنيها. ومن واجب الحكومة أن تسعى إلى ذلك تمويلًا وتعضيدًا وتخطيطًا في بلد يواجه تحديًا أمنيًا خطيرًا.
وبينما لا تحتاج الشرطة إلى إعادة هيكلة، فإنها تحتاج إلى تحديث، وتنمية الموارد البشرية، ورفع المستوى التدريبي، والاستعانة بقدرات مؤهلة علميًا، والتخلي عن منطق «العدد الليموني» في زمن العولمة، والأهم هو رفع مستوى أداء خدمات الدفاع المدني ..تلك التي يحتاجها المواطن في كل لحظة إطفاءً وإنقاذًا.. هذا الجانب الذي لا يعيره السياسيون أي اهتمام وهم منشغلون بالحديث عن الدولة البوليسية وعودتها التي يقولون إنها سوف تسبب ثورة.
محيط






