
نص حديث سيرغي لافروف وزير خارجية روسيا الاتحادية الى هيوبرت سيبيل من اجل الفيلم الوثائقي حول سورية والذي بثته قناة التلفزيون الالمانية ARD في يوم 13 فبراير/شباط 2013 .
س – أرسلت روسيا طائرتين الى بيروت لإجلاء الروس من سورية. هل انها “بداية نهاية” اللعبة؟
– كلا. اننا اصدرنا بيانا حوله اليوم. وقد أوضحت الوزارة ان الطائرتين كانتا في رحلة لنقل ارسالية أخرى من المساعدات الانسانية. ونحن قدمنا بإستمرار مساعدات انسانية الى السوريين. وقد أبلغنا فقط المواطنين الروس القاطنين في سورية – وأغلبهم من الروسيات المتزوجات من مواطنين سوريين- بأنه تتوفر الفرصة لأجلائهم لأن بعضهم كان قد أعرب عن الرغبة في الخروج مؤقتا في هذه الفترة العصيبة من تأريخ سورية. وقد قرر حوالي مائة شخص منهم استغلال وجود الطائرتين للسفر الى روسيا بغية قضاء هذا الوقت مع أقاربهم.
س – لكن دعنا نقارن ذلك بالارقام في سورية فإنه يوجد هناك حوالي 8000 روسي مسجلين رسميا، كما يوجد حوالي 24000 من…
– أعتقد ان عدد الروس المسجلين أقل. وأغلبهم غير مسجلين. لقد سجل ثلاثة أو خمسة الآف شخص ، انا لا أتذكر بالضبط ، لدى الدائرة القنصلية في السفارة الروسية في سورية. ويوجد كثيرون غير مسجلين. علما ان عدد الراغبين في السفر مؤقتا بلغ حوالي المائة فقط عبروا عن رغبتهم في استخدام هاتين الطائرتين للسفر الى روسيا.ولا يعتبر ذلك عملية إجلاء بكل معنى الكلمة.
س – هناك في تأريخ روسيا حالات أحبطت فيها قرارات هيئة الامم المتحدة. لماذا؟
– إن استخدام روسيا والصين حق الفيتو على ثلاث قرارات خلال فترة قصيرة كان رد الفعل المنبثق عن مسئوليتنا بموجب ميثاق هيئة الأمم المتحدة. والفيتو ليس امتيازا ما لنا ، كما انه ليس نوعا من النزوة. ان الفيتو حق راسخ لدى الاعضاء الدائمين بموجب ميثاق هيئة الامم المتحدة. وتم الاتفاق عليه لدى تشكيلها من قبل الآباء المؤسسين بغية ألا تتكرر التجربة البائسة لعصبة الأمم التي كانت تقوم على مبدأ “بلد واحد – صوت واحد”، وبدا هذا شكليا كمبدأ ديمقراطي لكن هذا المبدأ الخاص لم يسمح لعصبة الأمم بالعمل بصورة فعالة تماما. وكما تعلم فإن الامريكيين لم يكونوا راضين ، وخرجوا منهاا. اذن ، لقد أصر الامريكيون على هذا في 1943-1945 حين جرت مناقشة مسألة قيام المنظمة الدولية في المرحلة المتوسطة من الحرب العالمية الثانية. كما أصر الامريكيون على توفر حقوق ما للقوى الرئيسية. وهكذا فان حق الفيتو يعكس قناعة الآباء المؤسسين بأن أي قرار لن ينفذ ولن يعطي مردوده ويتحقق كليا بدون موافقة القوى الرئيسية. ولذا فان مبدأ الفيتو مثبت في الميثاق وقبله جميع اعضاء هيئة الامم المتحدة الذين وقعوا الميثاق وأبرموه. إذن نحن مارسنا مسئوليتنا في الحيلولة دون اتخاذ مجلس الامن الدولي لقرارات تهدد بموجب البند السابع بفرض عقوبات وتتضمن الخطر الواقعي في التدخل.وقد توفرت لدينا القناعة بأننا يجب ان نستند على القرارات التي صادق عليها مجلس الأمن الدولي سابقا ، وقبل هذا التصويت ، أي بيان رئيسه المؤرخ في أغسطس/أب عام 2011 ، والذي وافقت عليه روسيا وكذلك على القرارين 2042 و2043، اللذين ثبتا المبادئ الواردة في الوثيقة الأساسية – وهي ان من الواجب ان يحل السوريون أنفسهم الأزمة ، وان من الواجب ايقاف العنف بكافة اشكاله ، وانه يجب على المجتمع الدولي ان يشجع أي حوار داخلي بين السوريين ، كما ينبغي ألا يكون هناك أي تدخل خارجي. وكما قلت آنفا فإن هذا قد ثبت في القرارين اللذين تمت المصادقة عليهما على قاعدة خطة النقاط الست المعدة من قبل كوفي عنان. وقد ارسل المراقبون الدوليون الى سورية على أساس هذه الخطة. كما عقدت على أساسها جلسات مجموعة العمل في جنيف في يونيو/حزيران عام 2012 . وقد أعدت هذه المجموعة وثيقة تمت الموافقة عليها بالاجماع تتضمن كافة المكونات الضرورية من أجل ايقاف القتال وبدء العملية السياسية. ونحن لا نتحمل الذنب في تجميد هذه الوثيقة منذ ذلك الحين، حيث أن الاشخاص الذين وقعوا هذه الوثيقة قالوا حين بدأ تطبيق بيان جنيف عمليا ” هذا شئ لا بأس به ، لكنه لن يتحقق قبل رحيل الأسد”. بيد أن هذا لم يكن الاتفاق بإجماع الآراء الذي تم في جنيف.. وليس لكوننا ندافع عن الأسد من شعبه. كلا البتة. وبصراحة نحن لا نهتم بالاشخاص. بل نهتم بمصير الشعب السوري، وبمصير سورية كدولة موحدة ذات سيادة ومستقلة ومتعددة الطوائف والقوميات والتي كانت مهد الكثير من الاديان وفيها مختلف القوميات. وبصراحة انهم عاشوا هناك بسلام ورخاء ووئام. طبعا ان المشاكل السياسية التي دفعت المعارضة الى الاحتجاج موجودة. ونحن لا ننكر ذلك. وقد ارتكب المسئولون العديد من الاخطاء. إنهم لم يستجيبوا الى المطالب المشروعة للمعارضة على مدى فترة طويلة. ومن ثم تحولت الاحتجاجات الى أعمال عنف من قبل الجانبين. والآن نحن نشاهد وياللأسف تصعيد المجابهة العسكرية في النزاع الذي تكسب فيه المعارضة المزيد والمزيد من الارض وتتلقى الدعم من الخارج. والحكومة طبعا ترد على العنف الذي تولد بدوره بسبب اخطاء الحكومة. إذن ، انها حلقة مفرغة فظيعة. ويجب علينا ان نكون واضحين بشكل مطلق ونقول: ان اي تهديدات تنطلق من مجلس الأمن الدولي ستستغل فورا من قبل من يحبذ استثارة التدخل الخارجي. وعندما يهدد أحد ما فيجب ان تكون لديه آلية مراقبة لكي يرى كيف ستتصرف كافة الاطراف. وهناك أكثر من طرفين في سورية . والمعارضة غير موحدة ، انها تعمل ضد الحكومة بصورة متوازية مع العديد من الجماعات الارهابية. وقد أدرجت الولايات المتحدة أحدى هذه المجموعات في قائمة المنظمات الارهابية مما أثار احتجاجات الائتلاف الوطني للمعارضة السورية. وهكذا فنحن أمام خليط معقد جدا من الاطراف. فيجب علينا لدى القيام بأي عمل ان ندع قبل كل شئ جانبا كافة الدعاوى والمطالب وجميع الحجج وكافة الشروط المسبقة. واذا كان مقصدنا الاول هو انقاذ حياة البشر ، فيجب علينا ان نقول لهذه الاطراف الآن :” اوقفوا القتال من دون طرح أية شروط مسبقة”. ان جميع الذين شاركوا في جنيف هم من اللاعبين الخارجيين الذين لهم تأثير على هذا الطرف أو ذاك في سورية. ويجب علينا جميعا ان ندعوهم في آن واحد الى وقف القتال وارسال مندوبين للتفاوض وتشكيل هيئة انتقالية وتكليفها بوضع الدستور الجديد ، والتحضير لأجراء انتخابات جديدة . وهذا يعتبر الطريق الوحيد . هذا اذا ما كنا جميعا صادقين حين نقول اننا نريد انقاذ حياة البشر واننا لن نسمح بمواصلة العنف . وهذا كله تجسد في بيان جنيف الذي ما زلنا نعتقد انه يمكن تنفيذه ويجب تنفيذه بدون أية شروط مسبقة. من جانب آخر فان المهمة الاولوية لدى بعض شركائنا هي ليست انقاذ حياة البشر بل اسقاط الاسد واقصاءه بهذه الطريقة او تلك . لكن الاسد لا يعتزم الرحيل. وقد قال ذلك علنا ولن يصغي إلينا والى الصينيين أوالايرانيين وأي أحد آخر. لقد قال :” أنا سوري ، وولدت هنا ، وانا أحمي شعبي وسأموت في سورية”. اذن ، اعتقد بعض الناس في هذه الظروف ، وبعد سماع موقفه ، ان من الواجب قبل اتخاذ اية خطوة سياسية ان يرحل، ذلك هو طبعا الموقف الموجود لدينا. لكن يجب على من يطرحون هذا الموقف ان يفهموا بأن ثمن هذا الهدف الجيوسياسي ، اي اقصاء الاسد ، هو سقوط المزيد والمزيد من الضحايا البشرية في سورية. اذن نحن امام خيارين : أما ان نريد انقاذ حياة البشر وعندئذ يجب ان ننسى من هو المسئول في اللحظة الراهنة وان نجلس الجميع الى طاولة المفاوضات ، واما ان نتجاهل حياة البشر ونهتم بموضوع مصير الاسد وعندئذ لن يستطيع أحد عمل شئ.
س – لقد تحدثتم مع الاسد في فبراير/شباط . فما هو انطباعكم في تلك اللحظة؟
– كان انطباعنا انه غير مطلع فعليا على مجرى الاحداث. وكان يعتقد لحد ما ان التأريخ يقف الى جانبه. وقد استجاب الى دعواتنا لإستحثاث الاصلاحات وقال ” سيتم ذلك ، هذا ضمن خطتي، وهذا ضمن جدول عملي”. لكنه أعلن وياللأسف هذه الاصلاحات بعد مرور عدة أشهر على بدء الأزمة. حسنا ان فبراير/شباط كان متأخرا من أجل اجراء الاصلاحات. ولو اعلنت الاصلاحات في صيف عام 2011 لكانت الامور قد سارت بشكل مختلف. ان جوهر الاصلاحات مضى في الاتجاه الصحيح. وتمثلت قبل كل شئ في إقامة نظام التعددية الحزبية خلال عقود من السنين، وكذلك في اعلان الدستور الجديد من اجل نظام التعددية الحزبية هذا ، واصدار قانون حول الاعلام ، وقانون الحكومة ، وغير ذلك. وكما تعرف جرى الاستفتاء على الدستور ، وجرت الانتخابات. والحكومة الآن مؤلفة ، من الناحية التقنية ، من حزب الحكومة واحزاب المعارضة. لكن حدث هذا بصورة متأخرة. والآن طرح الرئيس الاسد في يناير/كانون الثاني خطة جديدة دعا فيها جميع القوى الوطنية المعارضة للتدخل الاجنبي للجلوس واجراء الحوار الوطني والمضي قدما بالاصلاحات التشريعية والتحضير لاجراء انتخابات جديدة واعداد خارطة طريق من أجل سورية الجديدة ، وقد رفضتها المعارضة. واعتقد ان هذا خطأ . نعم ، ربما ان هذه الافكار لا تروق للجميع. ولو سألتني رأيي ، فإنني اعتقد أيضا باننا يجب ان نطرح بعض التعديلات في الخطة المقترحة. لكنها كانت خطوة تحرك الى الامام من قبل الرئيس الحالي في سورية تتضمن اجراء الحوار والوفاق الوطني وانقاذ البلاد من الدمار الشامل ومن التمزق شذر مذر، كما انها تشكل اقتراحا صيغ ، بالرغم من كل نقائصه وعدم كفاءته ان جاز القول ، في سياق الحوار السياسي. وعندما تقول المعارضة :” هذا هراء ولن نقبل به” ، فإنهم ربما لا يروق لهم الكثير في هذا الاقتراح ، وربما لا يعجبهم على الاطلاق. لكن المعارضة لا تطرح أي بديل سياسي. والشئ الوحيد الذي يوحد المعارضة هو مطلب اسقاط النظام. ويمكن تفهم ذلك أيضا. فهم لا يحبون هذا النظام. انهم تعبوا من هذا النظام. بيد ان المعارضة لم تطرح خلال عامين أي برنامج بناء.وعندما تشكل الائتلاف الوطني في الدوحة في لقاء ضم مختلف كتل المعارضة مع حور ممثلي بعض البلدان الغربية وبلدان الخليج وتركيا التي تساعدهم،اقترح تشكيل هذه الائتلاف بصفته آلية للتوحيد. وصادق المجتمعون على بيان جاء فيه ان الهدف الرئيسي للإئتلاف هو اسقاط النظام وتفكيك مؤسساته ، وهو أمر يتعارض كليا مع بيان جنيف. ففي جنيف اتفق الجميع على ان تكون هناك فترة انتقالية مع بقاء المؤسسسات في البلاد دون مساس، وانه يجب عدم تكرار ما حدث في العراق مثلا حين ألغت قوات الاحتلال الامريكية جميع المؤسسات الحكومية. نحن إلتقينا جماعات المعارضة في سورية كلها وتحديناها بقولنا :”ياشباب ، نريدكم ان تكونوا جزءا في الحل. حسنا ، انتم تكرهون النظام لكن يجب ان تكون لديكم اجندة للبلاد ، ليس للنظام ، بل لشعبكم ، اجندة تشرح رؤيتكم السياسية حول كيفية المضي نحو بناء سورية الجديدة”. لكنهم اخفقوا حتى الآن ، خلال عامين ، في طرح مثل هذه الاجندة.
س – ماهي في الواقع المصطلحات الجيوسياسية التي تنطبق على سورية في هذا السياق؟ لماذا يوجد لديهم مثل هذا العدد الكبير من اللاعبين؟
– ان موقفنا حيال ما يجري في سورية هو اننا لا نضع أنفسنا ضمن أية إعتبارات جيوسياسية ، وليست لدينا أية منفعة كبيرة ، منفعة انانية – اقتصادية وعسكرية وغيرها ، في ذلك.
س – لديكم قاعدة بحرية هناك.
– ان القواعد البحرية يمكن ان تستخدم وان تتغير طبقا للحاجة. لكن القرينة الجيوسياسية لم تطرح من قبلنا. ان الاشخاص الذين يقولون ان النظام يجب ان يتغير ينطلقون ، برغبتهم او بعدم رغبتهم ، من فكرة الشرق الاوسط الكبير التي روجها جورج بوش الابن قبل عدة سنوات والذي قال ان دمقرطة الشرق الاوسط هي ” هدفنا الأقصى”. واعتقد ان اي مراقب مهتم يتابع ما يجري في المنطقة يمكن ان يستخلص تحصيل الحاصل من نتائج هذه الدمقرطة . ولدينا المزيد والمزيد من المشاكل في البلدان التي وصفها الامريكيون في وقت ما ، مثلا ، بأنها منارة الديمقراطية. ولم تحل المشاكل البتة بعد في افغانستان والعراق. والوضع مضطرب جدا في مصر ، حيث يتعين ايجاد بعض الحلول التي توحد الأمة. ومازال لدينا الكثير من المشاكل في ليبيا. ونحن نتحدث مع المسئولين في ليبيا الجديدة. انهم يهتمون بمواصلة التعاون معنا لكنهم يواجهون في الواقع مشاكل جسيمة لأن سيطرة الحكومة المركزية على جميع اراضي ليبيا مازالت تشغل البال. واذا ما نظرنا الى الجنوب فان الناس الذين كانوا جزءا من الائتلاف الذي اطاح بنظام القذافي فإنهم ربما يريدون القتال فقط. انهم لا يستطيعون البقاء في وضع مسالم. ويوجد عدد كبير منهم الآن يقاتلون في مالي. انهم يستخدمون السلاح ، وبعض الاسلحة التي يستخدمونها بمهارة من بين الاسلحة الاخرى ، والتي زودتهم بها الدول الغربية وبعض البلدان الاقليمية عندما كانوا يقاتلون القذافي. وهكذا فان التأريخ يرد الصاع صاعين. ان دورة العنف هذه خطرة جدا فعلا.
وما دمت قد بدأت السؤال حول القرينة الجيوسياسية لهذا فإننا ، وياللأسف ، كنا شهود التغير التدريجي شيئا فشيئا. فقد قامت الثورة في تونس. وكان الجميع يفكرون في كيفية دعم هذه الثورة. ثم حدثت الثورة في مصر وقبلها في ليبيا واليمن وثم في مالي والآن في سورية. ان هذه ليست رؤية جيوسياسية. ان الرغبة الجيوسياسية في نشر الديمقراطية في كل مكان باعتبارها الدرب المؤدي الى تقدم الانسانية هي شئ منطقي تماما. لكنها غير بناءة ومن العبث القول ان الطراز الغربي للديمقراطية فقط يجب ان يكون هو السائد. فلا يمكن ان تفرض الطراز الغربي للديمقراطية في افغانستان التي توجد فها تقاليد تعود الى قرون بعيدة. والشئ ذاته يقال عن العراق وايران ومصر. ويجب تفهم ان المبادئ الاساسية حول الانتخابات الحرة واقتصاد السوق مثلا تحدد العوامل بهذا القدر او ذاك لنجاح تقدم أية أمة. ويصل الى هذا الاستنتاج المزيد والمزيد من البلدان.وفي الواقع يعتبر من باب خداع الذات ان يفرض على البلدان ذات التاريخ العريق والحضارات القديمة ، لب الموضوع المفهوم لدى الغرب ، لكنه غريب جدا عن هذه البلدان ، والذي يتعلق بكيفية إقامة هذه الديمقراطية وتنظيم عملية اقتصاد السوق. وهذا يخلق فقط الوضع الذي يرتد فيه هذا الفرض والاكراه الى نحر القائمين به.
/يتبع/
زر الذهاب إلى الأعلى