البداية كانت بشروط صندوق النقد: 36 عاما على انتفاضة الخبز. عندما ثار المصريون بسبب ارتفاع سعر العيش “5 مليمات”

1010

 

 

هل يعيد الشعب تجربة انتفاضة الفقراء .. أم تنتصر رهانات 34 عاما سبقت ثورة يناير؟
هتافات الانتفاضة : يا ساكنين القصور الفقرا عايشين فى قبور.. سيد مرعى يا سيد بيه كيلو اللحمة بقى بجنيه
وهتافات أخرى : عبد الناصر ياما قال خللوا بالكم م العمال.. هو بيلبس آخر موضة واحنا بنسكن عشرة ف أوضة

تتشابه الظروف بين يناير 1977 ويناير 2013 .. ازمة اقتصادية يقف وراءها الخضوع لشروط المؤسسات الدولية لاصلاح الاقتصاد وعلى راسها صندوق النقد الدولي وزيادات اسعار متوقعة فاقت الحدود .. وفي الوقت الذي خرج الناس من أجل زيادة 5 مليمات في سعر الرغيف عام 1977 فإن السؤال الذي يطرح نفسه هل يتكرر مشهد يناير 1977 مرة أخرى في 2013 المؤكد أن السؤال ظل يطرح دون إجابة لمدة 34 عاما حتى يناير 2011 لكنه عاد بقوة مع حكومة الإخوان وخضوعها لشروط صندوق النقد متذرعة بالأزمة الاقتصادية .. فهل يأتي الحل من الداخل أم من الخارج .. وهل يعيد الشعب تجربة الأمس التي باتت قريبة .. ام تنتصر رهانات 34 عاما سبقت ثورة يناير ؟
اندلعت الشرارة الأولى لانتفاضة يناير بخطاب نائب رئيس الوزراء للشئون المالية والاقتصادية، الدكتور عبد المنعم القيسوني، أمام مجلس الشعب في 17 يناير 1977 بمناسبة تقديم مشروع الميزانية عن 1977 حيث أعلن إجراءات تقشفية لتخفيض العجز، ومنها تخفيض الدعم للحاجات الأساسية بصورة ترفع سعر الخبز بنسبة 50 % والسكر 25 % والشاي 35 % وكذلك بعض السلع الأخرى ومنها الأرز وزيت الطهي والبنزين والسجائر.وربط هذا بضرورة الاتفاق مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتدبير الموارد المالية الإضافية اللازمة.
وقد بدأ التنفيذ الفعلي في يومها أي قبل الإعلان أمام مجلس الشعب، فرفع التجار وبعض المحلات أسعار المواد الغذائية، وكذلك فعلت المطاعم الصغيرة على الفور، فأحست الجماهير بالكارثة مباشرة فضلاً عن إذاعة الخبر في الراديو والتليفزيون. وقد أثار الغضب إدراك الجماهير بالتواء سياسة الدولة وكذبها وخداعها للجماهير في تصريحاتها فقامت تجمعات جماهيرية وعمالية في بعض أحياء الإسكندرية والقاهرة ومنطقة حلوان الصناعية خاصة منذ مساء يوم 17/1 وتوقفت المواصلات بين حلوان والقاهرة بعض الوقت.
وخرج الناس الى الشوارع فى مظاهرات حاشدة تهتف ضد الجوع والفقر وبسقوط الحكومة والنظام رافعة شعارات تلقائية منها:
ياساكنين القصور الفقرا عايشين فى قبور
ياحاكمنا فى عابدين فين الحق وفين الدين
سيد مرعى يا سيد بيه كيلو اللحمة بقى بجنيه
عبد الناصر ياما قال خللوا بالكم م العمال
هو بيلبس آخر موضة واحنا بنسكن عشرة ف أوضة
بالطول بالعرض حنجيب ممدوح الأرض
لا اله الا الله السادات عدو الله
وغير ذلك من شعارات ارتفعت فى مظاهرات بطول مصر وعرضها واختلطت تظاهرات الطلاب التى خرجت من كل الجامعات المصرية بحشود العمال والموظفين والحرفيين وكافة فئات الشعب.

اندلعت المظاهرات بصورة هائلة منذ صباح يوم 18/1 عندما فوجئ الناس بشكل ملموس بالسعر المضاعف للرغيف. وكان عمال حلوان هم الذين بدءوا التحرك. فقبل الساعة التاسعة صباحًا، خرج عمال شركة مصر / حلوان للغزل والنسيج في مظاهرة طافت الضاحية الصناعية، وانضم إليهم عمال مصانع أخرى ومنها المصانع الحربية وكانت الهتافات موجهة ضد زيادة الأسعار وبسقوط الحكومة وتحمل عداءًا صريحًا للسادات وعائلته. وقامت قوات الشرطة بمحاولة عزل منطقة حلوان عن القاهرة لمنع العمال من النزول إلى العاصمة، في نفس الوقت الذي وضع فيه العمال الحواجز على قضبان قوات النظام. وألقيت الحجارة على السيارات التي رفضت تهدئة السير. ووصلت مظاهرة العمال إلى القاهرة فتشكلت بهم وبغيرهم مظاهرات أخرى في الأحياء الشعبية كما انضم بعضهم إلى مظاهرة لطلبة جامعة عين شمس.
وفي شبرا الخيمة المنطقة الصناعية العريقة بتاريخها النضالي، اضرب العمال واعتصموا في بعض المصانع فتوقف الإنتاج.
واجتمع طلبة هندسة عين شمس في مؤتمر يندد برفع الأسعار، ثم خرجوا في مظاهرة انضم إليها طلبة من الكليات الأخرى واتجهوا نحو مجلس الشعب لتقديم احتجاج على قرارات القيسوني وأثناء مرورهم بشارع الجيش انضم إلى المظاهرة نساء الأحياء الشعبية وفي ميدان التحرير انضم إليهم موظفون وطلبة جامعة القاهرة.
وتلاقت المظاهرة الواحدة بالأخرى وذهبت هذه الكتل في معظمها إلى مجلس الشعب مرددة هتافات عدائية للحكومة والنظام ودخل وفد من الطلبة إلى رئاسة المجلس لتقديم المطالب وعند غياب الوفد تصدرت النساء محاولة للهجوم على حرس المجلس على ظن أن أفراد الوفد قد اعتقلوا فقام البوليس بتفريق المظاهرة، وتشتتت في مجموعة من المظاهرات في الأحياء المجاورة.
قال بعض الصحفيون أن المظاهرات كانت سليمة تمامًا حتى الساعة حيث اصطدمت بها قوات البوليس بعد أن كانت شبه غائبة من قبل، وقوات الأمن المركزي أيضًا. إلا أنه في الواقع قد وقعت مصادمات قبل ذلك فقد هاجم المتظاهرون بعض الأقسام مثل قسم شرطة الأزبكية بميدان العتبة والذي حاولوا إشعال النار فيه وكذلك قسم السيدة زينب وقسم الدرب الأحمر.
وجرت محاولات لاقتحام مبنى مديرية أمن القاهرة بباب الخلق وقذفت قسم الساحل بالأحجار وتم تدمير عدد من الأتوبيسات وواجهات المحلات ومصابيح صورة كبيرة للسادات في أحد الميادين المركزية ورشقوا قوات الأمن المركزي بالأحجار فألقت عليهم القنابل المسيلة للدموع التي كانوا يجمعوها ويعيدوا إلقائها على الجنود.
وكذلك ألقيت الأحجار على مباني الجامعة الأمريكية الواقعة في ميدان التحرير والتي كانت تمثل في أعين الكثيرين مركز الأغنياء ومع ذلك فصحيح أن المظاهرات اشتدت عنفًا واتساعًا في المساء حيث تدفقت عليها عشرات الآلاف من سكان القاهرة الأشد فقرًا وعمت أعمال قذف السيارات الفاخرة بالأحجار وفي الجيزة وإمبابة قذف مكتب البريد حيث يقف كبار السن لساعات طويلة لتحصيل معاشاتهم كما وضعت المواسير بعرض الطرق لعرقلة المرور وقذف المتظاهرون وفندق شيراتون الفاخر بالأحجار وحطموا إعلانات النيون البراقة عن السلع الكمالية التي لم يكن في استطاعة محدودي الدخل شرائها.
وفي الإسكندرية بدأت المظاهرات بعمال الترسانة البحرية في صبيحة 18 يناير وكانت هذه المظاهرات أكثر حدة من غيرها نتيجة لشدة توتر الجو العمالي في ترسانة الإسكندرية بسبب موجات الفصل التي بلغت يوميًا 26 عاملاً مفصولاً في هذه المنشأة الصناعية الكبيرة. وانضم إليهم عمال الشركات المجاورة واتجهت المظاهرات إلى قصر الاتحاد الاشتراكي تهتف ضد الحكومة وتقذف قوات الشرطة والأمن بالحجارة. وانضم إليهم طلبة الجامعة.
وحطمت السيارات وعربات الترام والأتوبيسات وألقيت الأحجار على استراحتى رئيس الجمهورية ونائبه حسني مبارك، واقتحمت نقط الشرطة وأحرقت سينما أوديون ومباني لشركات كبرى ومجمعات استهلاكية حيث تتفشى المحسوبيات والرشاوى ولا يأخذ الفقير غير الرديء من السلع. كما حطمت المظاهرات واجهات محلات عديدة وأصيب 132 شخصًا بالأعيرة النازية.
واندلعت مثل هذه المظاهرات في مدن الأقاليم في المنصورة والمنيا وقنا والسويس وفاقوس وأسوان، حيث جرت الهجمات على مراكز الشرطة والأتوبيسات ومباني المصالح الحكومية ومحلات بيع السلع الكمالية، وفي أسوان، أحرقت أقواس النصر المخصصة لزيارة تيتو الملغاة في الوقت الذي كان فيه السادات بالمدينة.
وفي اليوم التالي اندلعت المظاهرات بشكل واسع وأعنف من الصباح حتى صارت العاصمة عند الظهر ميدان قتال تجوبه مظاهرات بعشرات الألوف. ففي حوالي الساعة الثامنة صباحًا، أضرب عمال الوردية الأولى لشركة الحرير الصناعي وعمال مصنع 45 الحربي في حلوان عن العمل وخرجوا في مظاهرة. وتوقفت المواصلات بين حلوان والقاهرة بسبب الأحجار التي وضعت على خطوط القطار. وتجمع عمال حلوان أمام محطة القطار المؤدي إلى المصانع ففرقتهم قوات الشرطة فتحولوا إلى مظاهرات تجوب وسط المدينة. وخرجت مظاهرة عمالية في الصباح أيضًا من مصانع “سوجات” بحدائق القبة. ثم قامت المظاهرات في جميع أنحاء المدينة، تهاجم الحكومية وخاصة أقسام الشرطة ومديريات الأمن وغيرها. وهاجموا دار أخبار اليوم وحرقوا كميات من ورق الطباعة، وحاولوا اقتحام بنك مصر فلم ينجحوا فحكموا وأتلفوا 30 طن أسمنت مخصصة لعمليات كوبري رمسيس.
وجرت مصادمات بين المتظاهرين ورجال الشرطة الذين أطلقوا النار على المتظاهرين لمنعهم من الاستيلاء على أسلحة الأقسام وكذلك اتجه هجومهم إلى الملاهي الليلية والفنادق الكبرى. وبعد الظهر تجمعت أعداد كبيرة من العمال وطلبة الجامعة في ميدان التحرير وتوجهوا إلى مجلس الشعب حيث رفضوا أوامر البوليس بالتفرق وجرت مظاهرات مماثلة في العتبة والسيدة زينب والدرب الأحمر وأحياء أخرى عديدة، وأطلقت قوات الأمن المركزي الرصاص على مظاهرة في حي الأزهر فقتلت صبيًا. وفي إمبابة تظاهر عمال مصنع الشوربجي شركة الشرق وقذفوا مركز إمبابة فأطلق البوليس عليهم النار فوضعوا العوائق على السكة الحديدية في المنطقة وأشعلوا النار في أحد القطارات.
وشهدت الجيزة أيضًا معارك مماثلة بين الجماهير والأمن المركزي وهاجموا أقسام الشرطة والمصالح الحكومية وأشعلوا النيران في بعض سيارات الشرطة. وفي هذه الصدامات استخدمت الشرطة كميات كبيرة من القنابل المسيلة للدموع والأعيرة النارية ودرت أحداث مماثلة في الأقاليم وفي السويس اقتحم المتظاهرون مخزن السلاح في قسم الشرطة وأخذوا يطلقون النار أما في المنصورة فأخرجوا أثاث منزل المحافظ وأحرقوه. وشهدت قنا والمنيا وأسوان وأغلب المدن المصرية الأخرى أحداثًا مشابهة.
وروى أحد شهود العيان حادثة شخصية تعبر عن روح الجماهير التي خرجت تواجه السلطة وتحطم رموزها فعندما كان مارًا على كوبري قصر النيل ورأى شباب يحرقون السيارات قال لأحدهم: إنك تحرق بلدك؟ فرد عليه الشاب: إنها ليست بلدي، إنها بلد الآخرين.
وفي الساعة الثانية والنصف يوم 19/1 أذاعت الحكومة قرارها بإلغاء رفع الأسعار فهدأت بعض المناطق في حين أن بعض الأحياء استمرت تقاتل حتى ساعة متأخرة من الليل وفجر يوم 20 في صدامات مع قوات المشاة الميكانيكية والصاعقة والشرطة العسكرية التي نزلت بعد إعلان حظر التجول الساعة الرابعة بعد ظهر 19/1 في القاهرة والجيزة والإسكندرية والسويس ووقفت الدبابات أمام منزل السادات. وقد أشعل المتظاهرون النار في مقر الاتحاد الاشتراكي بميدان التحرير في الليل وبقيت حرائق صغيرة مشتعلة بالقرب من مجلس الشعب.
وكانت هناك إشارات متفرقة عن تردد في صفوف جنود الشرطة في قمع المظاهرات حيث أن زيادة الأسعار تصيبهم أيضًا. كما أن هناك إشارات عن امتعاض قوات الجيش الموجود حول القاهرة لقمع الجماهير مما اضطر الحكومة إلى سحب تشكيلات الجيش المرابط في الجبهة مع إسرائيل.
على الرغم من مرور 36عامًا على انتفاضة 19،18 يناير إلا أنها ما زالت مثالاً حيًا على الطاقات الثورية الهائلة لدى الجماهير ومثالاً فذا أيضًا على الدور التفجيري الذي تلعبه الطبقة العاملة في الحركة الجماهيرية التي انطلقت شرارتها الأولى من شركة حلوان للنسيج والترسانة البحرية بالإسكندرية لتمتد إلى باقي أنحاء مصر احتجاجًا على رفع الأسعار.

 

 

البدايه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى