الشهادة على خط المواجهة

عبد المنعم رياض

رياض تفوق فى «الطب» وانتقل لـ«الحربية» ودرس «التجارة» وحصل على بكالوريوس العلوم فى مجال الرياضة البحتة

يأتى 9 مارس هذا العام مقرونًا بالغضب، ومستقبل الوطن غارق فى الغموض، والدولة على شفا حفرة من الانهيار، فالمصريون منقسمون، وسلطة الحكم فاشلة فشلًا شنيعًا ومدويًّا، ومؤسسات الدولة فى حالة شلل، أى أن مصر بعد الانتفاضة الشعبية العظيمة فى 25 يناير 2011 التى ثار فيها المواطنون ضد الفساد والاستبداد انتهت إلى وضع مؤلم وكئيب فى دولة عظيمة مثل مصر تعيش فى عشوائية وتخبط وفوضى، تائهة بلا بوصلة تشير إلى الاتجاه الصحيح، و بلا ملاحين شجعان وفاهمين يستطيعون إنقاذ سفينة الوطن من الغرق.

المفارقة المذهلة أن مصر فى 9 مارس 1969 بعد أقل من عامين من هزيمة منكرة، فقد فيها الجيش أسلحته، وصار جنوده شراذم تهيم على وجهها، وتعرض الكبرياء الوطنى لزلزال رهيب، كانت المفارقة بعد كل هذا أن القاهرة ظلت واقفة على قدميها، ورغم عنف الصفعة وذلها فإن الملاحين كانوا أقوياء وقادرين، صانوا السفينة من رياح الأزمة العاصفة، وكانت البوصلة بين يديهم تشير إلى الاتجاه الصحيح، وقاوم الرجال الصدمة والإهانة واستعادوا توازنهم.

فى مثل هذا اليوم فى مصر منذ 44 سنة، كان ليل مدن وقرى المحروسة مظلما، لأن الإضاءة كانت مقيدة فى المنازل وكشافات السيارات ومصابيح الشوارع والمحال العامة والخاصة للوقاية من هجمات الطيران الإسرائيلى، لكن هذا الظلام لم يطل القلوب ولا الإرادة، وكان للعزيمة نورها الداخلى الذى يعم جميع المصريين فى ذلك اليوم، وقبل أن يحل الظلام بساعتين وثلاثة أرباع الساعة سقطت دانة هزيلة من «هاون 82 مم» يعتبر تأثيرها هو الأقل والأتفه بين كل دانات المدفعية الأخرى، وأودت هذه الدانة التى تستخدم للإزعاج والتعطيل فى الغالب بحياة واحد من أعظم القادة فى تاريخ العسكرية المصرية الشهيد عبد المنعم رياض، فى زمن كانت ضلوع الرجال تكاد تنفجر من قوة الإرادة والعزم وروح المقاومة، بينما مصر الآن تكاد تنفجر من شدة اليأس وغياب الرؤية والاستبداد المطلق من سلطة حكم فاشلة.

يوم استشهد عبد المنعم رياض كان الرجال يعرفون ما يريدون وكيف يمهدون طريقا شاقا نحو النصر، لم يكن فى هذا الوطن خوف ولا ريبة، ولم يكن فى هذا الوطن تكاسل أو تواكل، الهدف واضح وضوح الشمس فى يوم مشرق «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» من أجل استعادة الأرض والكرامة وترميم الكبرياء، لهذا جاء الإنجاز فى 6 أكتوبر 1973 هائلًا ومذهلًا أسرع مما يتصور الجميع، الشمس فى مصر اليوم كأنها ما جاءت، وكأنها ما ذهبت رغم سطوعها ووهجها ولهيبها، لأننا صرنا وطنًا بلا هدف يجنح نحو الغد بلا غاية تلم الشمل، وطنًا بلا رؤية تبعث على الأمل.

فى البيت الكبير، لم يكن أحد يستكثر نفسه على هذا الوطن، لهذا ذهب قائد عظيم بارز بهامة عبد المنعم رياض إلى أخطر موقع فى جبهة القتال، غير مكترث بأمنه الشخصى، لأن سلامته هى فى سلامة هذا الوطن الأبقى، والناس إلى زوال مهما علت مكانتهم، وهامة رجل فى مكانة رياض كانت فى نكران الذات والشجاعة وأداء الواجب فى درجاته القصوى، كان هذا هو زمن الرجال حينما تلقى بهم المقادير إلى مواقع المسؤولية والقيادة، كانت مصر رغم الهزيمة الثقيلة ما زالت فى زمن حداثتها ومدنيتها، لهذا لم تضل مهام المسؤولية طريقها نحو عشيرة أو جماعة أو مكاسب خاصة بتنظيم غامض مثلما الحال اليوم مع جماعة الإخوان المسلمين، الذين تنحدر البلد بسببهم نحو هوة سحيقة، هذا هو الفرق بين قائد لا يهاب الموت، وقائد لا يهاب إلا الجماعة، الأول يخاف على الوطن، والثانى يخاف من الوطن.

فى الثالثة والنصف من مساء 9 مارس 1969 استشهد الفريق عبد المنعم رياض رئيس أركان حرب القوات المسلحة فى أثناء تفقده الأوضاع على الحد الأمامى فى منطقة المعدية رقم 6 بالإسماعيلية، فى موقع مكانه بالتحديد داخل نادى الدنفاة المطل على بحيرة التمساح عند عنقها المتصل بالمجرى الملاحى للقناة، فى ذلك اليوم باتت مصر ليلة حزينة لهذه الخسارة الفادحة، فقد كان رياض نموذجا فذا للقادة، وانتقاما لاستشهاد رياض قامت المجموعة «39 قتال» بقيادة الشهيد المقدم إبراهيم الرفاعى بغارة ساحقة على الموقع الإسرائيلى فى نقطة لسان التمساح التى أطلقت منها دانة الهاون، وأودت بحياة رياض، وتم هذا الهجوم فى ليلة 7/8 يوليو، واستطاعت القوة المهاجمة محو هذه النقطة القوية من على وجه الأرض بعد تدمير ما بها من دشم وأسلحة، حيث قتل وأصيب 30 فردا للعدو، وخسرت «المجموعة 39 قتال» 9 شهداء نتيجة التصميم على أن تنتهى هذه العملية بالإبادة الكاملة لهذا الموقع حتى يتحقق الثأر.

ولد الفريق أول عبد المنعم رياض فى سنة من أشهر سنوات القرن العشرين فى تاريخ مصر عام 1919 الذى قامت فيه الثورة ضد المستعمر البريطانى، وكان ميلاده فى اليوم الثانى والعشرين من أكتوبر، وبعد حصوله على البكالوريا التى تعادل الثانوية العامة التحق بكلية الطب بناءً على رغبة أسرته، لكن لأن العسكرية كانت حلمه الأكبر ترك كلية الطب بعد عامين من النجاح بتفوق ليلتحق بالكلية الحربية، لأن العسكرية كانت مستقرة فى جيناته، فهو سليل أسرة عسكرية، والده القائمقام محمد رياض عبد الله قائد بلوكات الطلبة فى الكلية الحربية تخرج على يديه كثير من القادة.

فى عام 1938 تخرج عبد المنعم رياض فى الكلية الحربية برتبة الملازم ثان، واعتبارا من سنة 1941 شارك فى كل الحروب التى دارت على أرض مصر أو شاركت فيها بعد أن عين فى سلاح المدفعية، وانضم إلى إحدى البطاريات المضادة للطائرات، إذ شاركت وحدته فى صد طائرات المحور (ألمانيا وإيطاليا) التى كانت تغير على الإسكندرية والمنطقة الغربية حتى انتهاء العمليات العسكرية للحرب العالمية الثانية داخل حدود مصر.

خلال عامى 1947 – 1948 عمل رياض فى إدارة العمليات والخطط فى القيادة العامة بالقاهرة، حيث قام بالتنسيق بينها وبين قيادة الميدان فى فلسطين، ومنح وسام الجدارة الذهبى لقدراته العسكرية التى تجلت وقتها.

فى عام 1951 تولى قيادة مدرسة المدفعية المضادة للطائرات برتبة مقدم.

فى عام 1953 عين قائدا للواء الأول المضاد للطائرات فى الإسكندرية.

فى الفترة من يوليو 1954 وحتى أبريل 1958 تولى قيادة الدفاع المضاد للطائرات فى سلاح المدفعية.

فى 9 أبريل 1954 سافر فى بعثة تعليمية إلى الاتحاد السوفيتى للحصول على دورة تكتيكية تعبوية فى أكاديمية فرونز العليا، أتمها فى عام 1959 بتقدير «امتياز»، ولقب فى أثنائها بـ«الجنرال الذهبى».

شغل عام 1961 منصب نائب رئيس شعبة العمليات برئاسة أركان حرب القوات المسلحة، وأسند إليه منصب مستشار قيادة القوات الجوية لشؤون الدفاع الجوى.

فى عامى 1962 و1963 اشترك، وكان فى رتبة لواء، فى دورة خاصة بالصواريخ بمدرسة المدفعية المضادة للطائرات، حصل فى نهايتها على تقدير «امتياز».

وفى عام 1964 عين رئيسا لأركان القيادة العربية الموحدة.

ورقّى فى عام 1966 إلى رتبة فريق، وأتم فى السنة نفسها دراسته بأكاديمية ناصر العسكرية العليا، وحصل على زمالة كلية الحرب العليا.

عندما اندلعت حرب 1967 عين الفريق عبد المنعم رياض قائدا عاما للجبهة الأردنية.

وفى 11 يونيو 1967 تسلم مهام منصبه رئيسا لأركان حرب القوات المسلحة المصرية، وبدأ مع وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة الجديد الفريق أول محمد فوزى إعادة بنائها وتنظيمها.

حصل على العديد من الأنواط والأوسمة، ومنها ميدالية «الخدمة الطويلة والقدوة الحسنة»، ووسام «الجدارة الذهبى» ووسام «الأرز الوطنى» بدرجة ضابط كبير من لبنان، ووسام «الكوكب الأردنى – طبقة أولى»، ووسام «نجمة الشرف».

ولأن الفريق أول عبد المنعم رياض كان عقلية متفردة، فقد اهتم بالدراسة فى المجالات العلمية التى تنشط وترفع إمكانيات العقل والتحليل والتفكير، فحصل على بكالوريوس العلوم فى مجال الرياضة البحتة، ولأنه كان يؤمن بأن الاستراتيجية الشاملة هى الطريق إلى النصر، فقد اهتم كذلك بالدراسة فى كلية التجارة، لأن الاقتصاد أحد العوامل الأساسية فى الاستراتيجية الشاملة بمفهومها المتكامل.

أمضى عبد المنعم رياض 32 سنة خدمة بالقوات المسلحة منذ تخرجه فى الكلية الحربية، حتى استشهاده فى موقع متقدم لقواتنا يبعد مسافة أقل من 250 مترا فقط عن الموقع الإسرائيلى المعادى.

كان عبد المنعم رياض، المولود فى قرية «سبرباى» القريبة من طنطا فى محافظة الغربية، الأول فى كل دوراته الدراسية فى مصر وخارجها، وكان فى بعض البلاد الأجنبية يحصل على تقدير «امتياز» الأول على أقرانه الأجانب وأبناء البلد، فى سابقة لم يحققها من قبله أحد، وكان من مظاهر نبوغه وتفوقه إجادته التامة للإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية، وهذه القدرة اللغوية أحد أسباب شمولية اطلاعه على الجوانب المختلفة للعلوم العسكرية والثقافة العامة.

هذا نموذج لأبناء مصر البررة، الذين لا يؤمنون بسواها، ولاؤهم لها أولًا وثانيا وثالثا وأخيرا، لهذا كان رياض نابغة فى مجاله، شجاعًا فى أداء واجبه، متجردا فى سبيل الوطن، مما ارتقى به إلى أرقى المراتب حيًّا وشهيد

 

التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى