حكايات الاحتجاز والتعذيب والقتل لأطفال مصر بعد الثورة

25-june-ali-haza

نادية مبروك

أضاف: المتظاهرون لم يشمئزوا من منظرى، ولم أسمع أى شخص منهم يسبنى، كانوا يتقاسمون معنا الطعام، ويقيموا لنا ورشا لتعلم الرسم والقراءة والكتابة، للمرة الأولى شعرنا نحن أطفال الشوارع بأننا أطفال مرغوب فينا ولسنا منبوذين، وكان من الطبيعى أن نعاملهم بالمثل ونكون مثلهم مؤمنين بالثورة، نحاول أن ندافع عن الميدان».

ويكمل محمد «الوضع تغير الآن فالمتظاهرون أصبحوا يخافون منا خاصة السيدات، مشيرا إلى أنهم يخشون من التحرش، ويخلطون بيننا وبين من يقومون بذلك» مضيفا «كنا نحاول حماية السيدات طوال الوقت، وكنا نفسح لهن الطريق حتى لا يحتك بهن أحد فى الزحام، وكنا موجودين طول الوقت ولم نقم بالتحرش بأحد أو سرقة أحد فلماذا نقوم بذلك الآن؟»

 إسلام شهيد.. حلمه حج جدته

محمد ليس الوحيد الذى ضمه ميدان التحرير، فهناك أيضا اسلام عبدالحفيظ، ويختلف اسلام فى أنه ليس مقيما بالشارع بل كان مقيما مع جدته قبل استشهاده بسبب يتمه، وكان يبيع الكمامات للمتظاهرين، أقصى أحلامه ان تسافر جدته للحج، وأن يشترى شقة يستطيع الزواج فيها.

طبقا لشهادات من عرفوه، فإن اسلام تنازل عن مكسبه من البيع بعد معرفته سبب التظاهرات، وكان يحضر الكمامات للمستشفى الميدانى بأسعارها وبفواتير حتى لا يشك أحد فى أنه يتكسب من شراء الكمامات للمستشفى.

أما عن لحظة استشهاد اسلام فيرويها الناشط محمد على، «كنا فى أحداث مجلس الوزراء الأولى ونجلس أمام مبنى مجلس الوزراء، وكان إسلام يشير بضوء الليزر على المبنى قائلا «علشان اكشف ليكم القناصة» بعدها أصيب برصاصة خارجة من المبنى، قمت بنقله على موتوسيكل للمستشفى الميدانى فى قصر الدوبارة وقبل وصولنا للمستشفى ارتعش على أيدينا ومات».

الانتهاكات ضد الأطفال كانت واضحة فى أحداث مجلس الوزراء، وذلك بعد بث المجلس العسكرى لمقاطع فيديو ضمت اعترافات أطفال قصر باحراق ممتلكات عامة وغيرها.

أحداث مجلس الوزراء ليست الأولى

الانتهاكات ضد الأطفال فى أحداث مجلس الوزراء لم تكن الأولى، فقد سبقها أيضا انتهاكات فى أحداث محمد محمود الأولى، ويروى أحمد جمال ــ 15 عام ــ شهادته عما تعرض له قائلا «كانت المرة الأولى التى أنزل فيها لميدان التحرير، فنحن لسنا عائلة سياسية، قررت النزول دون علم والدى بعد خروجى من المدرسة، وأثناء وجودى بشارع محمد محمود تم القاء قنابل الغاز علينا، لا أعلم مداخل الشارع وكانت النتيجة سقوطى والقبض على فى أحد الشوارع الجانبية المسدودة، حيث تم القبض على وسط مجموعة كبيرة ليتم سحلى من الشارع حتى المدرعة، وأثناء الوجود بالمدرعة تم ضربنا بكل الطرق الممكنة حتى وصلنا لوزارة الداخلية ليتم استقبالنا بالضرب والكهرباء، وبعدها تم ترحيلنا للمعسكر».

ويضيف والده «على مدار أربعة أيام ظللت أبحث دون جدوى فى ميدان التحرير والأقسام وحتى المستشفيات والمشارح، إلا أننا لم نعلم عنه شيئا حتى فقدنا الأمل فى العثور عليه، وحين كانت أخته الكبرى تقوم بالبحث عنه فى ثلاجة حفظ الموتى بقصر العينى تم إبلاغها بأن هناك جثة لها نفس المواصفات فى مشرحة زينهم، توجهت إلى هناك إلا أنه قبل وصولها للمشرحة، تلقيت اتصالا من شخص مجهول يقول لى إن أحمد بخير رافضا اخبارنا بمكانه، وأغلق الخط».

المتصل كان أحد أمناء الشرطة، وكما تقضى التعليمات لديهم فلا يجوز ابلاغ أهالى المعتقلين بمكان أبنائهم أما مكان الاتصال فكان النيابة، فأحمد ظل معتقلا لمدة أربعة أيام قبل عرضه على نيابة الجمالية، عاود والد أحمد الاتصال بأمين الشرطة وبعد عدة وعود بعد الافصاح عن مبلغهم عن مكان ابنهم، بالإضافة إلى شحن كارت محمول بقيمة 50 جنيها أبلغهم عن المكان.

ويستطرد والد أحمد «وجدته فى النيابة حالتة مزرية، كنت أحمل معايا ملابس له وأثناء خلعه لقميصه وجدت على جسده آثار تعذيب بالكهرباء وضرب، فقمت بالتشاجر مع أحد الضباط الذى أقسم لنا أن أحمد جاء إليهم هكذا، واكد كلامه أحمد الذى أكد أن تعذيبه تم فى وزارة الداخلية».

انتهاكات العسكر ضد الأطفال وخاصة أطفال الشوارع الذين مثلوا مادة خصبة لتشويه المعارضين، دفع عدد من النشطاء لاطلاق حملة «وقفة بقى» التى رصدت الانتهاكات التى يتعرض لها أطفال الشوارع.

وطبقا لمنظمة «هيومان رايتس واتش» فإن 311 طفلا تم اعتقالهم فى الفترة ما بين نوفمبر 2011، ونفس الشهر من عام 2012، مشددة أن السلطات المصرية ارتكبت عدة جرائم منها احتجاز الاطفال مع البالغين وهو مجرم بنص قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 المعدل بالقانون 126 لسنة 2008، بالإضافة إلى اعتداءات بدنية على الأطفال المحتجزين، خاصة الفئة المستضعفة منهم وهم أطفال الشوارع والاطفال العاملين.

وأوردت المنظمة قصة الطفل أحمد محسن الذى يعمل ملمع أحذية ويبلغ من العمر 16 عاما، تم اعتقاله على أثر الاحتجاجات التى أعقبت مجزرة بورسعيد الاولى، حيث تم تعذيبه بشكل وحشى وصعقه بالكهرباء على حسب رواية والدته.

وطبقا للائتلاف المصرى لحقوق الطفل فإن احتجاجات فبراير 2012 فقط قد شهدت اعتقال 50 طفلا تعرضوا للتعذيب الشديد فى أماكن قريبة من وزارة الداخلية، منهم طفلان أقل من 12 عاما تم حبسهم فى سجن طرة وذلك رغم عدم جواز وضع الأطفال دون الخامسة عشرة رهن الاحتجاز.

داخلية مرسى على خطى عسكر طنطاوى

زياد تيسير طفل فى الثانية عشرة من العمر، ساقه حظه العسر إلى المرور بموقع الاشتباكات بالقرب من كوبرى قصر النيل بعد خروجه من النادى الأهلى، لم يكن يعلم أنه سيكون ضحية للتعذيب لمجرد أنه طفل بموقع اشتباكات.

ويحكى «زياد» أنه تم إلقاء القبض عليه يوم الثلاثاء 29 يناير، أثناء وجوده بالقرب من كوبرى قصر النيل وقت الاشتباكات، وبعدها أخذه ضابط بالقوة داخل المدرعة.

وتابع الطفل «قام الجنود بضربنا ضربا مبرحا داخل المدرعة، وقام العسكرى برفعى من شعرى على الأرض، فى حين ضربنى أحدهم على قدمى، وجاء أحدهم، ويدعى الملازم تامر، وقال لى إذا لم تقل من أعطاك أموالا للتظاهر سأذبحك، ثم أخرج سكينا صغيرا من قدمه».

وأضاف زياد «كان هناك طفل صغير إلى جانبى، وأجاب الضابط بأنه يتلقى 10 جنيهات، وأثناء ترحيلنا أمر الضابط تامر هذا الطفل بأن يستلقى على بطنه وخلع بنطاله، وظل يردد أفظع السباب والشتائم، ثم ذهبنا لمعسكر طرة، قضينا فيه ليلتين، ثم ذهبنا للنيابة، وكان هناك شخص يقولون له «رفعت بيه» يدخل يشتمنا داخل الحبس، يقوم الجنود بنفس الشىء، الذى يقترن بحفل ليلى من التعذيب والضرب بالعصى».

وتنص المادة 37 من اتفاقية حقوق الطفل على أنه «يجب أن يجرى اعتقال الطفل أو احتجازه أو سجنه وفقا للقانون ولا يجوز ممارسته إلا كملجأ أخير ولأقصر فترة زمنية مناسبة»، وينص قانون الطفل المصرى على عدم جواز تحميل الأطفال دون الثانية عشرة المسئولية الجنائية، وعدم جواز وضع الأطفال دون الخامسة عشرة رهن الاحتجاز، بما فيه الاحتجاز المؤقت، وأن السلطات عليها «تجنب حرمان الطفل من البيئة الأسرية إلا كملجأ أخير ولأقصر مدة زمنية مناسبة».

ويؤكد أحمد مصيلحى، المستشار القانونى للائتلاف المصرى لحقوق الطفل، أنه «منذ القبض على الأطفال لحين عرضهم على النيابة، تعرضوا لأبشع أنواع التعذيب»، وأضاف «حينما نراهم فى تحقيقات النيابة، نجد أن ملابسهم ممزقة من شدة التعذيب، وهناك آثار للضرب فى مناطق متفرقة من الجسم، وبعضهم جاء للنيابة بقدم مكسورة، بالإضافة إلى أن وجههم كان منتفخا من كثرة الضرب».

وأوضح مصيلحى أنه تم عرض الأطفال على النيابة بعد القبض عليهم بمدد تصل الى أربعة أيام بالمخالفة لقانون الإجراءات الجنائية، لافتا إلى وجود أرقام قضايا خاصة بالأطفال وحدهم تم عرضها على النيابة العامة، بدلا من نيابة الطفل، بما هو مخالف لنص المادة «122» من قانون الطفل.

وشدد مصيلحى أن الأطفال المحتجزين تم توزيعهم على أكثر من خمس نيابات عامة تقع مقارها فى أماكن متفرقة، الأمر الذى أوضح البيان أنه يعيق حق الأطفال فى وجود محامين متخصصين للدفاع عنهم.

وأوضح مصيلحى أنه خلال الأحداث الأخيرة التى وقعت بميادين مصر وحول قصر الاتحادية منذ 25 يناير 2013 وحتى اليوم، رصدت الوحدة القانونية للائتلاف كم الانتهاكات التى تعرض لها الأطفال بدءا من الزج بهم فى الأحداث وعدم قيام الدول بمسئوليتها تجاه حمايتهم وإبعادهم عن مصادر الخطر الذى قد يتعرضون له، وفقا لصريح قانون الطفل، مرورا باستخدام كافة أشكال العنف الذى يصل إلى حد التعذيب أثناء القبض عليهم وصعوبة إثبات الإصابات البالغة التى تعرضوا لها لعدم جاهزية تقرير الطب الشرعى، مرورا بكل الاجراءات حتى الاحتجاز، حيث تم توجيه نوعية من الاتهامات لأطفال لم يتجاوز أعمارهم الـ15 سنة لا يمكن تحملهم مسئوليتها نظرا لحداثة أعمارهم وحيث تم احتجاز الاطفال فى سجون معسكرات أمن مركزى طرة والسلام والجبل الأحمر بالمخالفة للقانون، وتم احتجاز الأطفال مع بالغين فى كل مراحل التحقيقات.

وطبقا للائتلاف فإن 130 طفلا حتى كتابة هذه السطور، تم احتجازهم فى أحداث الذكرى الثانية لثورة 25 يناير.

ورغم نفى النيابة وجود محتجزين من الاطفال فى معسكرات الأمن المركزى بعد زيارة وفد النيابة لهذه المعسكرات، إلا أن مصيلحى أكد أن الاطفال المحتجزين تم توزيعهم على السجون قبل زيارة وفد النيابة.

 الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى