
فى معظم سعيه للسلام على الناس أو المجاملة فى الأفراح والأحزان كان يحرص على أن يصحبنى معه فى طرقات جهينة بالصعيد الأقصى أو فى دروب القاهرة القديمة، أمضى عمره يجامل الخلق ويسافر إلى معارفه فى قرى ومحافظات مصر فى جهينة كان إذ يرى أحد رجال الدين الأقباط قادماً يقول لى: بوس إيد أبونا. القمص أو القسيس رجال دين تماماً مثل المشايخ لهم إجلالهم واحترامهم.. ما زلت حتى الآن أذكر قباب الدير فى أبوتيج وإلى جوارها الباسقات من النخيل، تلك الشجرة التى يكتسب وجودها فى مصر ظلا ومعنى وهوى غامضا يفيض بالأسرار، كان حريصاً على أن يود مطران أبوتيج، كيف تعرف عليه؟ وعندما أصبحت الرحلة مرهقة ومشاغل العيش ثقيلة لم يتوقف عن مراسلته. كان الوالد رجلاً بسيطاً غير أنه يحمل ثقافة مصر العريقة القديمة والضاربة فى الزمن والروح.
شأنه مثل جميع المصريين الذين اختص تكوينهم بقبول المغاير والمختلف جنساً وثقافة حتى يتكيف مع الحياة المعتادة للكافة، أما الأقباط فلم أتلقَّ فى طفولتى المبكرة «الأربعينات والخمسينات» أى إشارة تدفع إلى التفريق، أو أى سلوك قد يولد منه التفريق، كان المجتمع المصرى له خصائص لا تتوافر فى البلدان العربية أو الإسلامية تخلو القاهرة على سبيل المثال من أماكن أو مناطق لها صفة الجيتو أى تقتصر على سكنى أتباع دين واحد.
ودائماً أضرب مثالاً على المعابد اليهودية فى القاهرة، ستة عشر تنتشر من الشمال إلى الجنوب وفى جميع البلاد التى زرتها فى أوروبا أو البلاد العربية نجد الجيتو سواء كان لليهود أو للمختلفين مع المذهب السائد من أتباع الدين الواحد وفى الجيش المصرى عرفت تقاليد الوطنية فى أجلى معانيها. لم يكن اللواء فؤاد عزيز غالى قائد الفرقة الثامنة عشرة التى حررت القنطرة شرق بمفرده، كان هناك أقباط فى كل التشكيلات، وكان من بينهم صداقات عميقة ظلت حتى اللحظات الأخيرة من عمر أصحابها، من يعرف مثلاً أن رئيس أركان حرب الدفاع الجوى كان مصرياً قبطياً؟ أعنى الفريق جورج ماضى، تعرفت عليه وهو برتبة مقدم خلال حرب الاستنزاف، وتوفى برتبة الفريق منذ أعوام قريبة.
فى صميم الوطنية المصرية انصهرت كل عوامل التمييز. ولكن مع صعود التيار الذى يستغل الدين للوصول إلى مآرب سياسية ودنيوية ظهرت عوامل الفرقة والانقسام نتجت عن ذلك مشاكل كان يتم احتواء آثارها بسرعة ولكن فى العقود الثلاثة الأخيرة تطورت الأمور، أحداث عنف تفجيرات لدور العبادة القبطية، موجات تطرف متعمدة مخطط لها تستدعى تطرفاً مقابلاً إلى أن وصلنا إلى لحظة تعلو فيها أصوات من تلك التيارات خاصة من يوصفون بالسلفيين يحرضون على عدم تقديم التهنئة، مجرد التهنئة إلى الأشقاء الأقباط، بينما تمضى سياسات الجماعة إلى تعميق الفرقة والانقسام.
الذى يمكن أن يمضى فى مساره الطبيعى إلى تمزيق الوطن وتقسيمه، ما أبعد المسافة بين الأيام النقية لانتفاضة المصريين واعتصامهم فى التحرير، حيث تجلت الوحدة الوطنية فى أسمى معانيها قبل اختطاف الإخوان للثورة بأساليب شتى، منها العنف المنظم وبين تلك النداءات المحرضة ضد الأقباط وتجاهل رئيس الدولة الحالى لتنصيب البابا وهذا حدث نادر لا يتكرر إلا على مسافات زمنية متباعدة! إن تعميق ثقافة الانقسام يجب أن يواجه بسلوك مضاد يتسق مع تكوين الشعب المصرى الحقيقى وليس دعوات هؤلاء الدخلاء. على الأحزاب الوطنية أن تحشد أعضاءها فى وفود كبرى لتقديم التهنئة إلى الإخوة الأقباط فى الكنائس والأديرة والأماكن العامة. وعلى المبدعين الوطنيين من شعراء وموسيقيين وأدباء وممثلين -أحيى هنا الفنان العظيم عادل إمام الذى يعتبر حالة تستحق التوقف والتأمل- ابتكار أشكال من التهنئة بذلك السلوك المضاد لثقافة التعصب والفرقة تحمى وحدة مصر والوطن. وأخيراً التحية واجبة للفريق أول السيسى الذى قدم التهنئة مع مطلع العام إلى المسلمين والأقباط وسائر المسيحيين، وبالتأكيد يعبر الجيش المصرى بوعى قيادته الآن عن الوحدة الوطنية أدق مما يعبر النظام الحالى الذى يبث الفرقة ويعمقها، لتكن التهنئة من المصريين إلى المصريين مسموعة هذا العام، معبرة عن جوهر مصر وتكوينها.
الوطن
زر الذهاب إلى الأعلى