رحلة قطار الموت.. من الصعيد إلى المقابر !!

kn5g2qqq

كتبت – ندي حمدي:

  

كانت عقارب الساعة تشير إلى الرابعة مساءً، عندما تحرك القطار الحربى من سوهاج، وتوقف فى أسيوط حيث استقله عدد من الشباب المقيمين بأسيوط والوادى الجديد، وكان يحمل ما يقرب من 3800 مجند لنقلهم إلى معسكر مبارك للأمن بالقاهرة.

وسارالقطار في طريقه بسلام، ولم يتوقف بعد ذلك إلا فى المنيا، عند دقات الساعة السابعة مساءً؛ بسبب عطل مفاجئ بالقطار، فسادت حالة من القلق والرعب بين المجندين الذين لم تفارق خيالهم حتى الآن مشاهد أشلاء أطفال أسيوط تتناثر على القضبان، بسبب قطار غاشم، فطالبوا باستبدال القطار الذي يستقلونه بآخر، إلا أن المسئولين كالمعتاد ساقهم عنادهم إلى استكمال الرحلة بالقطار المعطل، ورفضوا الانصياع لمطالب المجندين؛ مما أدى لاندلاع العديد من المشادات الكلامية بعدما هدد عدد من المجندين بعدم استقلال القطار واستكمال الرحلة؛ بسبب العطل، فاجبرهم قاداتهم والمجندين الأكبر رتبة على الانصياع للأوامر، واستقلال القطار، وسيطر المسئولون على الموقف، واستكمل القطار رحلته بعد 15 دقيقة من توقفه متوجهًا إلى القاهرة.
وبعد انطلاقه من محطة المنيا، اندلعت مشادات كلامية أخرى بين الركاب والباعة الجائلين الذين انتشروا داخل عربات القطار بصورة مفزعة، كما دارت العديد من المشادات الكلامية بين المجندين والمسئولين الذين انهالوا بالسب على المجندين، وكادت أن تقع اشتباكات، إلا أن تم السيطرة على الموقف للمرة الثانية، حيث كان القطار اقترب من محطة بنى سويف، ولم يتبق إلا وقت قليل للوصول إلى القاهرة.
دخل القطار محطة العياط، وكانت عقارب الساعة تخطت العاشرة مساءً، واجتاز محطة البدرشين، وكان المجندون منشغلين بالحديث فيما بينهم، ودارت القصص و”الحواديت” داخل عربات القطار، حتى شعر الجميع بهزة قوية فى مؤخرة القطار وارتفع الصراخ الذى هز أرجاء قرية كوم أبو ربع بالبدرشين، و وقعت الكارثة التي راح ضحيتها 19 مجندًا من خير جنود الأرض، وأصيب 120 آخرين، وارتفعت الأراوح إلى بارئها، تلعن إهمال المسئولين ، وتحمد الله على الانتقال في مرتبة الشهداء، بدلًا من العيش على أرض مصرية بأرخص الأثمان، مرددة ألسانهم “أه يا بلدي ياللي ارخص ما فيكي دمي”.
فيما صارع البعض الموت لعدة دقائق قبل وصول سيارات الإسعاف التي تأخرت في الوصول، وخرج أهالي المنطقة على أصوات الاستغاثات، واكتشفوا أن العربة الأخيرة من القطار الحربي، الذى كان قادمًا من الصعيد متجهًا نحو القاهرة انفصلت بسبب السرعة الزائدة للقطار، وخرجت من القضبان، واصطدمت فى جرار قطار البضائع الذى كان متوقفًا بالقرب من كوبرى أبو الربع بالبدرشين، فقام الاهالي بدور المسعفين واستعان كل منهم بسيارته ودراجته البخارية لنقل المصابين والمتوفين إلى أقرب المستشفيات، فكانت محطات تلقي المصابين هي مستشفيات البدرشين، والحوامدية، حتى وصلت سيارات الإسعاف بعد قرابة نصف ساعة من وقوع الحادث، وتسبب الظلام الدامس فى تعطل رجال الإسعاف لإنجاز مهمتهم، حيث استعانوا بالأهالى الذين يسكنون فى محيط مكان الحادث الذين أمدوهم باللمبات لمساعدتهم فى انتشال جثث المتوفين، وإنقاذ الضحايا، كما تسبب تأخر وصول قوات الحماية المدنية فى ارتفاع عدد المتوفين نظرًا “لفرمهم” تحت عجلات العربة .
انتشلت قوات الحماية المدنية بمساعدة الأهالى جثث الضحايا، واستخرجوا المصابين ودفع الأهالى بعدد من السيارات الخاصة لمساعدة الإسعاف فى سرعة نقل المصابين لإسعافهم فى المستشفيات القريبة من مكان الحادث، واستمرت عمليات استخراج المصابين من أسفل عجلات القطار أكثر من ساعة، حيث كان ينطق البعض بالشهادتين، ويتمتم آخرون بآيات من الذكر الحكيم، و وتساقط مع كل شهادة أو أشلاء يتم استخراجها دموع الأهالي على القضبان لتغسل الدماء التي سالت عليها.

الدستور الاصلى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى