الكاتب الذي حول حرارة الصعيد إلى رومانسية

 

47

 

 

لم يكن غيره متخصصاً في الدراما الصعيدية..لم يكن غيره معبراً عنها بشخصيات أهلها ولهجتها، بمشاكلها وعاداتها وتقاليدها.. حاول الكثيرون تقليده ولم يفلحوا وظل هو المتربع على ساحة دراما الصعيد.. هكذا كان السيناريست محمد صفاء عامر صاحب أعظم وأهم ملحمة درامية فى مصر، والذي رحل عن عالمنا الليلة الماضية.

لولا وجود محمد صفاء عامر، لم تكن هناك دراما صعيدية بمعنى الكلمة، ولم نعرف شيئاً عن ثقافة الصعيد وعاداته وتقاليده، مأكله ومشربه، لغته ولهجته فهو الوحيد الذى رسخ لهذه الدراما وجعل لها رصيدا في ذاكرة المشاهد المصري وسط دراما القاهرة التى تصب على أبنائها فقط.

تميزت دراما صفاء عامر، بتفرد شديد في لغة الحوار المستخدمة، والتى حببت الكثيرين في اللهجة الصعيدية، إضافة إلى نسجه لقصص وحكاوى درامية لم تقتصر فقط على أهل الصعيد من الألف إلى الياء، بل إنه ربط بينها وبين القاهرة أيضاً، فمثلاً في “ذئاب الجبل” كانت علاقة “وردة- سماح أنور” ابنة عائلة هوارة، الفتاة الصعيدية المتعلمة التى هربت من الصعيد لتتزوج ممن تحب وتعيش حياة القاهرة، وفي “الضوء الشارد” في المزج بين “فارس- محمد رياض” الفتى المدلل لدى سميحة أيوب، والذى يتزوج من فتاة بسيطة تدعى “فرحة- منى زكى” في القاهرة، ويشاء القدر أن تذهب هى بعد ذلك لتستكمل حياتها بالصعيد. وكذلك “أفراح إبليس” لـ جمال سليمان، و”حق مشروع” لـ حسين فهمة وعبلة كامل، و”مسألة مبدأ” الذى لعبت بطولته الفنانة إلهام شاهين وجميل راتب وغيرهما.

لم يكن صفاء عامر بالمؤلف الذى يجعل واقع الصعيد “مملاً” لكونه بعيداً عن حياة “القاهريين”، فكان يمزج القوة بالمشاعر الرومانسية، ولحظات الفرح بالحزن كما في أعمال “حلم الجنوبي” لـ صلاح السعدنى، و”الفرار من الحب” لـ آثار الحكيم، و”الحب موتاً” وغيرها.

حتى عندما أراد أن يقدم عملاً صعيدياً سينمائياً، قدمه بشكل أقرب لسينما الشباب بنجوم تضخ فيها روحهم كما في فيلمه “صعيدى رايح جاى” الذى لعب بطولته الفنان هانى رمزى، ونادين.

حاول الكثيرون على مدار السنوات الماضية تقليد محمد صفاء عامر، وتقديم دراما الصعيد في أعمالهم إلا أنهم لم يرقوا للمستوى الذى قدمه الراحل في أعماله، ولم يستطيعوا الوصول لسر التوليفة التى كان يقدمها.

استطاعت أعمال عامر، ابن الصعيد حيث مولده في مسقط رأسه قنا، أن تبتعد عن المشاهد الدموية العنيفة إلى حد كبير، فصحيح أنها لم تخل من ذلك إلا أنها وظفت في إطار محدود بين مشاهد الأعمال التى قدمها، وبمغزى درامى في محله.

ومن بين أشهر الأعمال التى قدمها الراحل: ذئاب الجبل، وحدائق الشيطان، والحب موتاً، وحلم الجنوبي، وحق مشروع، والفرار من الحب، والضوء الشارد، هذا بالإضافة إلى أعمال اجتماعية أخرى مثل ضد التيار، جسر الخطر وغيرها.

رحيل صفاء عامر سيترك فراغاً كبيراً، لأهل الصعيد الذين لم يجدوا خيراً منه في التعبير عن واقعهم ورصد وتقديم صورة لحياتهم، كما ستفقد الدراما شقاً مهماً في بنيانها وعمودا قويا يسمى “دراما الصعيد” صاحبه الكاتب الراحل محمد صفاء عامر.

 

الاهرام

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى