
فوزية رشيد تكتب:
مثلما وقف «أهل الفاتح» في فبراير ومارس 2011، ليعيدوا التوازن إلى المشهد السياسي، الذي كاد أن يجرف معه البحرين إلى الهاوية، فإن «الائتلاف الوطني» وبعد عامين يدخل بجمعياته اليوم ذات التحدي الوطني، بشكل عام سواء في الحوار أو خارجه، وفي ظرف بالغ الدقة سياسيا.
صحيح أن الظروف الموضوعية تغيرت، والانقلاب الذي كان وطيسه ساخنا أيام الدوار المقبور قد فشل. ولكن الظرف الموضوعي اليوم يحمل تعقيدات أخرى جديدة لا تقل خطورة، وبتوقيعات وبصمات مختلفة، وأبرزها أن بصمة العنف قد استمرت بل وصلت إلى الارهاب المباشر في كثير من الأحيان، وتدرجت لتصل إلى استخدام الارهابيين الشوزن والكلاشنكوف والرصاص والقنابل المحلية الصنع، تدشينا لتطور نوعي آخر للعنف والارهاب في البحرين، مثلما استمرت التواقيع السياسية ببصمة «الوفاق» وأتباعها، بإسدال غطاء شرعيتها على العنف، باعتباره أمرا واقعا، وباعتباره ورقة ضغط سياسية، في حين هي تظهر نفسها (لفظيا) انها جمعيات سلمية واصلاحية، ولكنها في الوقت ذاته تعمل على الوصول إلى هدف الانقلابيين لا أقل، بطريقة التدرج والمراحل، وتريد فرض فكرة «الحكومة المنتخبة» و«المحاصصة السياسية» في ذلك الاطار السياسي التمويهي، الذي يتشدق بالاصلاح والعدالة والمساواة، والذي يتجاهل تعقيدات الواقع البحريني موضوعيا، في ظل انتشار وباء الطأفنة والانقسام واختلاف الرؤى، والحالة السياسية/ الدينية المشوهة، التي تعاني منها «الوفاق» وأخريات، باعتبارها المتحدث السياسي عن تلك الأجندة، التي تعتبر مدخلا لأزمة بل أزمات سياسية واجتماعية مستقبلية، إن تم الارتهان أو التصديق بها او الموافقة عليها.
} «الائتلاف الوطني» وفي مثل هذه الأجواء والمناخات الموصومة باعتبارات تبعات المحاولة الانقلابية الأخيرة عام 2011، تواجه جمعياته مطالب اهل الفاتح وموقفهم ورؤيتهم في قراءة المشهد السياسي الراهن، والموقف من العنف السياسي والعنف الفكري والعنف الميداني، التي معا تتكئ عليها «الوفاق» وأتباعها، على طاولة الحوار (في حالة استمراره)، وبما يجعل المسؤولية التاريخية والوطنية الملقاة على عاتق «الائتلاف» شبيهة بما أخرج اهل الفاتح في عام 2011 في حشدهم العظيم، رغم اختلاف الظروف واختلاف التحديات، وأخذ الأزمة الانقلابية المفتعلة، مسارات اخرى، فهي في النهاية من ذات النبع، وتوجهها إلى ذات المصب، أو ذات الهدف، الذي بدأ منذ الثمانينيات، واستمر بافتعال ازماته، حتى فبراير 2011 وإلى اليوم.
} ولأن جمعيات «الائتلاف» هي حصيلة السلوك السياسي الطبيعي، باعتبارها تمثل تيارات فكرية وانتمائية وسياسية مختلفة في اطار ما هو طبيعي في مجتعات عربية أخرى (فكرا وممارسة أو سياسة وتوجها) فإن اعضاءه لم يعتادوا وهم جزء من اهل الفاتح، على لغة الصدام والاحتراب، أو على منابر التحريض والكراهية والتمرد، وان حدث من البعض ذلك احيانا فهو رد فعل لما رأوه من اصطفاف في الطرف الآخر، ومثلهم في ذلك كل اهل الفاتح، ويستنكرون التبعية للخارج او الاستقواء بالدول الاجنبية، ولم يألفوا اللغة القتالية والحربية، او الصيغ التقسيمية استنادا إلى مرويات مشبوهة او وقائع تاريخية بتأويلات غرائبية، او احقاد نابعة من احداث مضى عليها 1400 سنة، مثلما (أهل السنة) في عمومهم لم يعتادوا على الارتباط الولائي الخارجي سياسيا وعقديا، ونسرد كل ذلك باعتباره (خلفية تبدو غير مرئية) على طاولة الحوار، ولكنها تحرك المرجعية الدينية التي بدورها تأتمر الوفاق بأمرها، وحيث لا يمكن هنا فصل (السياسي عن الديني) مهما حاولت «الوفاق» الظهور بمظهر خارجي كمن يفصل بينهما، وكمن يتحدث لغة سياسية محايدة غير مرتبطة بتلك الخلفية المؤثرة في (السلوك الوفاقي) وغيرها من القوى الطائفية والانقلابية.
} تلك الفوارق التي تلقي بظلالها، شئنا ام أبينا، على طاولة الحوار، تجعل الائتلاف، وكأنه قوة غير منظمة امام تلك (القوة العقدية السياسية المنظمة) التي تعمل اليوم على قلب الحياة البحرينية وفرض سطوتها على الجميع، تحت شعارات اصلاحية أو سياسية أو مطلبية، كان الموقف ربما يكون مختلفا منها أو من بعضها، لو لم تكن في اطار تلك التعقيدات الموضوعية، التي تطرقنا اليها والتي تشكل خلفية لمن يرفعها اليوم كالوفاق وغيرها في المشهد السياسي البحريني، مما يجعل منطلقاتهم على خلاف ما يدعونه سياسيا، لأن هدفه يختلف أيضا عما يهدف اليه الشعب البحريني، الذي لم يخطر بباله قط افكار المحاصصات السياسية، او الانقلاب على الدولة وعلى النظام.
} ولكن المؤكد أن «الائتلاف» يحمل في داخله قوة كبيرة، وخاصة إن مشى دون انحراف عن بوصلة «أهل الفاتح»، وايضا لأن ذرة حق من لسان من يمثل الضمير الوطني، بإمكانها أن تزهق أركان الباطل مهما تشابكت خيوطه، فهي أوهن من بيت العنكبوت.
ولهذا غير مسموح للائتلاف وهو يتحمل المسئولية التاريخية والوطنية، في ظل الظرف الراهن، وكما تحملها اهل الفاتح قبله بوقفتهم التاريخية المشهودة، ان يتخالف او يتباعد عن بعضه، فالبوصلة واحدة، ورغم استياء «اهل الفاتح» من الجلوس مع من يعتبرونهم خونة ومفتعلي ازمات وجروا الكوارث على البحرين، فإن الموقف القوي الذي يطالب به اهل الفاتح والثبات عليه بإمكانه ان يعيد التوازن مجددا إلى المشهد السياسي وأن يحفظ البحرين واستقرارها وأمنها وأن يكشف حقيقة «الوفاق» وأتباعها أمام العالم.
أخبار الخليج
زر الذهاب إلى الأعلى