يوم وطنى لمصر

هل يمكن للدستور الجديد أو المعدل، أن يعتمد إلى جانب العلم والنشيد يوما وطنيا؟
هناك دساتير تمجد أياما وطنية فى التاريخ على النحو الذى كان مع ثورة يوليو فى دساتير ما قبل يناير 2011، وثورة يناير فى دستور 2012 المعطل، وفى كل دولة فى العالم يوم وطنى يمثل الحدث الأبرز فى تاريخ هذه الدولة أو الأكثر تأثيرا، أو الأكثر تعبيرا عن الإنجاز الحضارى والرسالة الحقيقية لشعب هذه الدولة.
وإذا كان للجنة الدستور أن تعتمد يوما وطنيا فالمؤكد أنها ستقع فى حيرة بالغة، بين المحطات التاريخية المضيئة التى يزخر بها التاريخ المصرى، لكن ذلك فى أصله لابد من بنائه على فهم أعضاء اللجنة لطبيعة الدولة التى يكتبون دستورها وتاريخها.
المعتمد رسميا أن 23 يوليو هو اليوم الوطنى الذى تحتفل به الدولة رسميا وتتلقى التهانى البروتوكولية، والحقيقة أن ما جرى فى 13 يوليو من العام 1952، كان حدثا فارقا فى تاريخ مصر والمنطقة والعالم، وربما أعقبه أكثر الحقب التاريخية زخما بأمجادها وأخطائها، وهو مناسب دائما للاحتفال، ويمكن أن يبقى هو اليوم الوطنى إذا كانت فلسفة ذلك الاحتفال بالجمهورية وتأسيسها فقط وليس أى مكون آخر.
ربما يفكر واضعو الدستور فى الاحتفاء بالشعب، واعتماد يوم وطنى يحتفى بغضبات وثورات شعبية ما بين 25 يناير أو 30 يونيو أو ثورة 1919، أو حتى ثورة المصريين على الملك بيبى الثانى آخر ملوك الأسرة السادسة فى القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد، وهى أول ثورة اجتماعية فى التاريخ الانسانى، انطلقت بسبب غضب الشعب من سياسات حكم أدت لافقارهم وتجويعهم.
وقد يكون الاهتمام منصبا على الاحتفال بالدولة الحديثة والشعب معا، وهنا يقفز يوم 13 مايو، وهو اليوم الذى نصب فيه المصريون محمد على باشا حاكما على مصر بإرادتهم الحرة فى العام 1805، وبعد أن قاموا بثورتين متتاليتين، واحدة ضد الحملة الفرنسية حتى طردها، والثانية ضد الوالى الأول بعد طرد الحملة، خورشيد باشا، مرورا بقائم مقام أو حاكم انتقالى، فى وضع يشبه ما جرى منذ 25 يناير.
لكن تلك الأيام جميعها فى التاريخ القديم والحديث، تمثل مرحلة أو محطة لا تعبر بشكل كامل عن مصر بتنوعها وتاريخها وعراقتها بقدر ما تعبر عن جزء من نضال كبير، فيما تستطيع مصر والمصريون الاحتفال بإنجازهم المؤسس لكل ما جرى بعده من حوادث ووقائع ومعارك عسكرية كبرى، وانتصارات وهزائم، وهو تأسيس الدولة الموحدة. أقدم دولة فى التاريخ.
تخيل أنك تحتفل كل عام احتفالا وطنيا بعيد توحيد القطرين، فى 21 بابه من كل عام حسب أرجح التقديرات فى التقويم القبطى، وعيد «توحيد الأرضين» هو عيد مصرى قديم للاحتفاء بتحقق الوحدة الكاملة لكل الأرض المصرية فى عهد الملك مينا وبقاء المصريين موحدين طوال 6255 سنة.
إذا كان للدستور أن يأتى محتفيا بالدولة الوطنية الموحدة، فهذه الدولة الأولى فى التاريخ تمتد بجذورها آلاف السنين.. وعيد تمام وحدة أرض مصر وتأسيس أقدم دولة مركزية يستحق أن يكون يوما وطنيا لمصر.
تخيل أن يبعث رئيس دولة برقية تهنئة للرئيس المصرى بمناسبة العيد الوطنى رقم 6255 لتأسيس الدولة وتوحيد الأرض.
كم نحن أمة قديمة وعريقة، مثل شجرة مثمرة أصلها ثابت ويمنحها تنوعها وحلقات تاريخها قوة فى خدمة جوهر رسالتها.
هذا حديث يبدو خارج السياسة، لكنه فى القلب منها لو تعلمون.
الشروق






