سيناريو ضرب سوريا تكرار لسيناريو أحتلال العراق

84

عامر راشد

 

تصريح الرئيس الأميركي باراك أوباما بأن “احتمال اللجوء إلى أسلحة دمار شامل بحق مدنيين يتجاوز حداً جديداً على صعيد القوانين الدولية ويغيِّر قواعد اللعبة” في الأزمة السورية، وما سبقها من تصريحات إسرائيلية وأوروبية وإسرائيلية في هذا الشأن، حمل معه تقديرات ومطالبات متناقضة إزاء احتمالات تدخل عسكري خارجي

 

انشغلت الدوائر السياسية الدولية والإقليمية والعربية بالتصريح الذي أدلى به الرئيس الأميركي باراك أوباما، قبيل استقباله للملك الأردني عبد الله الثاني في البيت الأبيض يوم الجمعة، وقال فيه إنه يملك “بعض المؤشرات التي تفيد بأن سلاحاً كيميائياً استخدم ضد السكان في سورية”، كتقديرات أولية تستند إلى عمليات استخباراتية أميركية. وأضاف: “إن سقوط قذائف هاون على مدنيين وقتل أناس من دون تمييز هو أمر فظيع بالتأكيد، لكن احتمال اللجوء إلى أسلحة دمار شامل بحق مدنيين يتجاوز حداً جديداً على صعيد القوانين الدولية ويغير قواعد اللعبة”.

 

ومن الواضح أن الرئيس أوباما انتقى كلماته بعناية، كي تحتمل العديد من القراءات والتفسيرات للخطوة الأميركية التي ستبنى لاحقاً على نتائج التحقق من مصداقية المعلومات في هذا الصدد، مع تعهده بإجراء تحقيق من خلال مشاورات مع شركاء الولايات المتحدة في المنطقة والمجتمع الدولي. 

 

بعض المراقبين اعتبروا أقوال أوباما تمهيداً لنقلة مفصلية في التعامل الأميركي مع مجريات الأزمة السورية، إنما دون ترجيح تدخل عسكري بالضرورة، استبعدته أيضاً التعليقات الدولية، وأبدت جهات إقليمية عدم حماستها له، باستثناء إسرائيل التي طالب نائب وزير الخارجية الإسرائيلي زائيف ألكين الولايات المتحدة بـ”التحرك عسكرياً من أجل استعادة السيطرة على ترسانة الأسلحة الكيميائية السورية”. وأردف ألكين: “إن كان هناك إرادة من جانب الولايات المتحدة والأسرة الدولية، ففي وسعهم السيطرة على ترسانة الأسلحة الكيميائية السورية.. ما سيضع حداً لجميع المخاوف.. وحين تفهم الأسرة الدولية أنه تم تخطي خطوط حمر فعلياً واستخدام أسلحة كيميائية، سوف تدرك أن لا خيار أمامها سوى التحرك بهذه الطريقة بدل أن تبقي على الغموض”.

 

لكن ماذا لو لم (تتفهم) الولايات المتحدة والأسرة الدولية بالطريقة التي تريدها وتدفع إليها إسرائيل، بالحث على عمل عسكري للسيطرة على مخزون سورية من الأسلحة الكيماوية؟

 

رئيس دائرة البحوث في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، العميد ايتي بارون، صعَّد يوم الخميس الماضي من ضغط تل أبيب على واشنطن، حين جزم، في كلمة له أمام مؤتمر لمعهد بحوث الأمن القومي، بأن الجيش النظامي السوري استخدم غاز سارين ضد مواقع تسيطر عليها المعارضة المسلحة. بمعنى أن حكومة نتنياهو لا ترى حاجة إلى انتظار سماح دمشق لفريق تابع للأمم المتحدة بالتحقيق في الاتهامات بشأن استخدام أسلحة كيميائية في النزاع الدائر في سورية، لاسيما، حسب وجهة النظر الإسرائيلية، أن التقييم الذي أجراه البيت الأبيض وأرسله إلى الكونغرس يتقاطع مع مزاعم تل أبيب. 

 

وعلى المستوى العملي الذي يمكن أن تُقِّدم عليه إسرائيل، نوه ضمنياً وزير الدفاع الإسرائيلي موشي يعلون، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الأميركي تشاك هاغل، 24/4/2013، إلى وقوف إسرائيل وراء الغارة التي استهدفت فيها طائرات إسرائيلية -في كانون الثاني/يناير الفائت- مركز بحوث علمية تابع لوزارة الدفاع السورية في منطقة جمرايا قرب دمشق، وادعت مصادر إسرائيلية حينها أن الغارة طاولت صواريخ أرض- جو كان يتم نقلها إلى “حزب الله” في لبنان. وكان لافتاً تأكيد يعلون أن “إسرائيل لن تسمح للنظام السوري باستخدام الأسلحة الكيماوية، وستتصدى لمحاولات قد تقوم بها جهات في سورية للاستيلاء على هذه الأسلحة”.

 

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هاغل أكد في المؤتمر الصحفي (ذاته) أن “النظام السوري لم يستخدم بعد الأسلحة الكيماوية”، قبل أن يتراجع عن نفيه القاطع بالقول: “إن المخابرات الأميركية تؤكد بدرجة ما من الثقة أن النظام السوري استخدم أسلحة كيماوية على نطاق محدود. ورجحت الاستخبارات لجوء دمشق إلى غاز السارين السام”. وعاد بعدها البيت الأبيض للتخفيف من وقع أقوال هاغل بإيضاح أن “تقييمات المخابرات الأميركية بشأن الأسلحة الكيماوية غير كافية، والأمر يتطلب حقائق جديرة بالثقة ومنسقة”. 

 

وبالربط بين تهديد وزير الدفاع الإسرائيلي بتوجيه ضربات عسكرية داخل سورية، إذا لزم الأمر، وتأرجح وتناقض التصريحات الأميركية والأوروبية الغربية والإقليمية، وآخرها تصريح الناطق باسم البيت البيض جاي كارني “إن الادارة لا تزال تدرس أدلة على استخدام النظام السوري أسلحة كيماوية”، ورفضه تحديد جدول زمني “لأنه ينبغي أن تكون الحقائق هي ما يقود هذا التحقيق..”، يعتقد محللون إسرائيليون أن إدارة أوباما أعطت الضوء الأخضر لحكومة نتنياهو بتصرف عسكري انفرادي متراخ زمنياً، والأرجح أن يكون على نطاق محدود مثل الهجوم الذي وقع على منطقة جمرايا، مع التشديد على أن الولايات المتحدة غير عازمة على التورط عسكرياً في الأزمة السورية. 

 

وفي هذا السياق يشكّك دان مرغليت، محلل سياسي في صحيفة (إسرائيل اليوم) 24/4/2013، بصدق التهديدات والتحذيرات الأميركية، ويستطرد: “رئيس قسم البحث في شعبة الاستخبارات إيتي بارون الذي قال بصراحة إن بشار الأسد استعمل السلاح الكيميائي على أعدائه. لا يشك أحد في الغرب في ذلك لكن الولايات المتحدة يريحها أن تشك في ذلك كي لا تحتاج إلى تحقيق تحذير باراك أوباما بالرد بالقوة على استعمال السلاح الكيميائي الآثم”.  

 

وبدوره يرى ايتان هابر، مدير عام ديوان رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق إسحاق رابين، في مقاله له نشرتها صحيفة (يديعوت) 25/4/2013، أن “الولايات المتحدة لن تهب لمساعدة إسرائيل والجيش الإسرائيلي في مواجهتهما لإيران أو سورية، لأن أميركا لا يعنيها سوى مصالحها..”. ويزيد: “يبحث الأميركيون في الشأن السوري تحت الأرض عن ذرائع لعدم الاعتراف باستعمال السلطات السورية للسلاح الكيميائي. ويعلم الأميركيون جيداً أن الاعتراف باستعمال السلاح الكيميائي في سورية يعني كما يبدو حرباً أو (يوم معركة) طويلة على الأقل تنقلب فيها سورية ولا تعود لتكون كما كانت. وقد وعدت أميركا إسرائيل في الحقيقة بأن جميع الخيارات على الطاولة، لكنها تحاول تنظيف الطاولة دائماً”. 

 

والأهم في مقالة هابر الأسطر الأخيرة منها، التي يستخلص فيها أن “الصورة التي تظهر كما يبدو في المستقبل، وفي الزمن القريب على الأقل، هي أن إسرائيل والجيش الإسرائيلي في هذه الجبهة في مواجهة إيران وسورية وحدهما تقريباً. والأميركيون الذين يتفهمون مخاوف إسرائيل يمهدون طريق الأشواك إلى طهران ودمشق بصفقات مبيعات ضخمة ستنفذ بعد (الطوفان) فقط كما يبدو”. 

 

إذن إسرائيل هي وحدها المرشحة عملياً لما يسمى بـ”تغيير قواعد اللعب” في الأزمة السورية بتدخل عسكري خارجي، غير أن هكذا خطوة ستورط أكثر من طرف دولي وإقليمي. والسؤال هنا مرة ثانية على سبيل التوكيد: هل أعطت واشنطن الضوء الأخضر لتل أبيب؟ 

 

على ذمة محليين إسرائيليين الإجابة (نعم)، أما ماذا بعد الخطوة الإسرائيلية المفترضة والمتوقعة، فهذا متروك  للمستقبل الذي يكتنفه التشاؤم على ضوء واقع معضلات الأزمة السورية. 

 

الخبر نيوز 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى