سيناء.. فوق البركان

 

 

أعد الملف: أحمد أبوحجر

مع وصول الإخوان للحكم، بدت سيناء وكأنها تقبع فوق فوهة بركان يغلى بالحمم والنيران.. عمليات إرهابية ضد جنودنا البواسل.. مواجهات بين الجيش ومتطرفين مجهولين يقال إنهم من تنظيم القاعدة.. فلسطينيون يشترون أراضى على الحدود وتتردد أنباء عن مخطط سرى لإيجاد وطن بديل لهم فى أرض الفيروز.. وقبل ذلك كله شكاوى مرة من أهلنا فى سيناء من سوء معاملة الدولة لهم وإهمالها لحقوقهم التى وصلت لدرجة تجاهل وجودهم نفسه، وكأنهم مواطنون من الدرجة العاشرة!

سيناء التى تسمى بأرض السلام، أصبحت خلال الشهور الماضية ساحة مواجهات طاحنة، تتداخل فيها جهات دولية واجهزة مخابرات متعددة، بعضها يمكن ملاحظته بوضوح، والبعض الآخر لا يزال الظلام يلفه، وإن كان يترك وراءه آثارا تدل على أن المزيد من النيران لا يزال يشتعل تحت الرماد.
فى هذا الملف، فتحنا بعض الصفحات المجهولة فى الكثير من القضايا التى تواجهها سيناء ، وكشفنا بعض الألغاز المطوية التى طرحها أهل سيناء انفسهم أمامنا بمنتهى الصدق والصراحة، حول الاستراتيجيات البالية التى تنفذها أجهزة الدولة المختلفة فى سيناء، وهى تتصور وهما انها تحل مشاكل هذه البقعة الغالية من بلادنا، رغم أن هذه الاستراتيجيات ثبت فشلها الذريع، وعجزها التام عن حل هذه المشاكل.


السيناوية: “النسر” توقف عن الطيران!
العملية الأمنية فشلت في فك طلاسم مجزرة رفح وعجزت عن تطهير المنطقة
غياب المعلومات وقوة الجهاديين وتهميش أبناء البدو .. أسباب فشل العملية «نسر»
«عتيق»: أداء الأجهزة الأمنية محل شك في مواجهة أعداء الخارج بعد فشلها أمام التكفيريين
«الأطرش»: مفاوضات الرئاسة والجهاديين دليل علي ضعف الدولة في سيناء

في صباح أحد الأيام العاصفة التى تمر بها مصر، خرج أحد البدو من سكان الشيخ زويد ليبحث عن «النسر» الذي جاء ليحلق في سماء سيناء، ليطهر الأرض من رجس العناصر الخارجة التى ترهق دولة بكامل مؤساستها، فإذا به يفيق علي السبات العميق الذي انتاب النسر منذ أن وطئت قدماه شبه جزيرة سيناء.
الصدمة تنتاب الجميع.. فسيناء مازالت خارج سيطرة الدولة المصرية، «لا نسر شافع ولا الأمن نافع»، فعلي الرغم من الهدوء النسبي الذي تلحظه في شوارع المدن الثلاث القريبة من أرض عمليات العملية العسكرية نسر، وهى العريش والشيخ زويد ورفح فإن معنى ذلك ليس نجاح النسر في مهامه.. فلم يعد أحد يسمع عن العملية نسر التى تحولت الي العملية سيناء، وتمثلت كل انجازات النسر في 5 قتلي وضبط فرد واحد، لكن النسر لم ينجح في فك طلاسم مجزرة الحدود في رفح المصرية، ولم يكشف عن هوية منفذي العملية ولا انتماءاتهم السياسية.
النسر فشل في مهمته لأنه حينما استعد للطيران لم يخرج من دولة أرادت أن توفر لأبناء سيناء الخدمات الأساسية التي يحتاجونها، لكنها قدمت لهم عوضا عن ذلك العملية العسكرية «نسر»، ولم تلق الدولة بالاً بهم وبحقوقهم وبأحلامهم لكنها تعمدت أن تذيقهم ويلات حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، دون أن تتضح أمامهم بعد رؤية الدولة ولا خططها بشأن تنمية سيناء، وظلت الحكومة عاجزة عن فهم نفسية هؤلاء المواطنين فى سيناء، فهمشت دورهم في العملية نسر فتكسرت أجنحة النسر وتساقط ريشه فمات قبل أن يطير.
وبحسب قول  سعيد عتيق الناشط السيناوى، فإن فشل العملية نسر في تحقيق جزء من أهدافها، أصبحت قدرات الجيش المصري محل جدال، فهو لم يستطع القضاء علي مئات الأفراد، وتم جره الي حرب خسر فيها معدات وأصيب فيها أفراد، مضيفا أن فشل النسر يعنى أن سيناء أصبحت خارج سيطرة الدولة المصرية وأن اليد العليا فى سيناء أصبحت للجماعات التكفيرية والجهادية.
ويضيف عتيق: إن اسرائيل انتهزت الفرصة وكشفت الدولة المصرية ومدى عجزها بعد السماح لها بالدخول الكامل لفرض سيطرتها على سيناء، ثم مطالبتها بأن ترحل المدرعات المصرية فورا خارج المنطقة «ج» طبقا لبنود الاتفاقية الموقعة بين الطرفين، مؤكداً أن القضية ليست فى تعديل كامب ديفيد بقدر ما ان هناك إشكاليات مصرية تتعلق بقدرات الدولة فى تنمية سيناء والاهتمام بأبنائها.
ويشير مصطفي الأطرش الناشط السياسي الي أن الدليل علي فشل العملية نسر هو المفاوضات الدائرة بين رئاسة الجمهورية والعناصر الجهادية، وهو ما يعنى فشل الدولة في السيطرة على هذه العناصر، وهو ما يعطى انطباعا بأن الوضع في سيناء مازال مضطربا باستمرار الوجود القوي للجماعات التكفيرية والجهادية، وهو ما يشكل خطرا داهما علي هذا الجزء من مصر.
وأضاف الأطرش ان الوضع الحالي مزعج للغاية ويهدد الأمن القومي المصري ،وأن عدم شفافية أجهزة الدولة في الكشف عن ملابسات العملية نسر سيكون له تأثير سلبي علي كشف الحقائق ، قائلا أن هذا الغموض يشير الي أن النظام الجديد يمارس نفس السياسات السابقة في انعدام الشفافية وغياب المعلومات المتعلقة بالأوضاع الأمنية.
أما الناشط السياسي يحيي أبو نصيرة فيري أن القضاء علي الجماعات المسلحة في سيناء لن يكون سهلاً وسيستغرق وقتاً طويلاً بسبب تواجد هذه العناصر المسلحة وسط الأهالي وهو ما يصعب عملية القضاء عليهم. واضاف أن عملية التطهير لابد وأن تتوازي مع عملية تنمية للمنطقة للقضاء علي الأوضاع المضطربة فيها، مؤكدا أن مستقبل سيناء مرتبط بسياسات الحكومة، منتقداً غياب المصداقية في البيانات الصادرة عن العمليات العسكرية التي شهدتها سيناء.
وتساءل أبو نصيرة عن فقدان السرية التى من المفترض ان تحيط بمثل هذه العمليات لتحقق أهدافها، موضحا كنا نسمع اصوات المدرعات الثلاث عشرة وهى تتحرك من علي بعد اكثر من 10 كيلو مترات، وهو ما يعنى أن المستهدف سيأخذ حذره ، مضيفا أنه كان يكفي سيارة واحدة ملاكى تخترق الصحراء والوديان والجبال دون أن تحدث ضجيجا وصخبا.
ما يحدث فعلا – طبقا للكثير من السيناوية – أن النسر لم يعداً قادراً علي الطيران وشلت أقدامه، فلم يعداً قادرا علي مواصلة السير باتجاه الجهاديين.. وكان من الأولي له ان يعلن عن فشله ومغادرته لسيناء بلا رجعة، وهو ما وصف به أحد قيادات التكفيريين بسيناء أداء الجيش خلال العملية نسر، مضيفا أن اختيار الاسم لم يكن موفقا، لأن النسر لا يهبط إلا علي «الجيفة» أو الجثة وهو ما لم يحدث فيبدو أنه تفاجأ بقوة الجهاديين وقدرتهم علي مواصلة حرب الشوارع والعصابات.

سيناء خارج نطاق الخدمة .. لا تحاول الاتصال لاحقا
«الشبكات اليهودية» تسيطر على موبايلات سيناء.. وشبكاتنا مقطوعة لدواعٍ أمنية .. والجهاديون يستخدمون الشركات الإسرائيلية بحرية
وأنت داخل سيناء، وقبل أن تصل الي الحدود الإسرائيلية بحوالي 10 كيلو مترات، سيستقبل هاتفك المحمول رسالة نصها «اهلا بكم في إسرائيل»، ففى هذه الأماكن تختفي إشارات الشبكات المصرية الثلاث «فودافون واتصالات وموبينيل» ليحل محلها «أورانج» شبكة المحمول الأولي في إسرائيل و«سيلكوم وبلي فون».
كما أنك إذا اقتربت من الحدود الفلسطينية فى مدينة رفح المصرية، ستظهر لك اشارات شبكة الجوال الفلسطينية، الاتصالات ليست مشكلة جديدة لكنها تفاقمت خلال العامين الأخيرين، وأصبح يعانى منها أهل المناطق الحدودية في سيناء، وإن كنت أحد قاطنى مناطق الحدود فإنك ستشعر بكم هائل من الغيظ يملأ صدرك، ويجعلك تكاد وتحنق علي دولة تجاهلت مواطنيها، وتركتهم فريسة للشبكات اليهودية.
بمجرد أن تطأ قدماك بالقرب من الحدود كل ما عليك فعله هو ان تضبط هاتفك علي الضبط اليدوى، ليظهر لك ما يقرب من 5 شبكات، وتختفي الشبكات المصرية تماما.
قصة إهمال شبكات المحمول المصرية فى سيناء كما يرويها موسي المنيعى – أحد وجهاء قبيلة السواركة – بدأت مع جمعة الغضب 28 يناير مع الانقطاع الكامل والمتعمد لشبكات المحمول المحلية في كل أرجاء مصر، موضحا أنه عندما عادت الشبكات الي العمل في كل مصر، استمر اختفاؤها التام من مدن وقري الحدود المصرية.

خطوط إسرائيلية
ويضيف أن جهات أمنية مصرية وراء انقطاع خدمة الشبكات المصرية، حتى لا يتجسس أحد علي المكالمات المصرية, ويوضح أنه أمام تعنت الأجهزة الأمنية وإصرارها على فصل الخدمة، لجأ المواطنون إلي طرق بديلة للتواصل عن طريق استخدام شبكات «اورانج» و«سيلكوم» وهما الأكثر انتشاراً بين السيناوية علي الحدود، مشيرا إلى توافر المحلات التى تبيع الخطوط الإسرائيلية وكروت الشحن الخاصة بها.
ويبلغ ثمن خط «الأورانج» في رفح حوالي 130 شيكلا إسرائيليا «حوالي 150 جنيها مصريا» ويصل سعر الكارت فئة 100 شيكل الي حوالي 140 جنيها.
وفي حالة عدم الرغبة فى شراء الخطوط الإسرائيلية، فإن الخطوط الفلسطينية متوافرة خاصة شبكة «جوال» التى يصل سعر الخط بها الي حوالي 55 جنيها وكارت الشحن فئة 40 جنيها تصل الي 55 جنيها، أيضا فيما تتكلف الدقيقة من الجوال الي جوال حوالي 25 قرشا.
المنيعى يؤكد أن السيناوية لم يلجأوا الي الشبكات الإسرائيلية، إلا حينما قطعت الحكومة الخدمة عنا وحرمتنا من التواصل، ونحن تجار لا يمكن أن نتحمل تعطيل أعمالنا، مشيرا الي انهم نظموا عدة وقفات احتجاجية للمطالبة الحكومة بضرورة عودة الخدمة.
وأضاف المنيعى أنه علي الرغم من أن الجماعات الجهادية تستخدم الشبكات الإسرائيلية ليفلتوا من مراقبة الاجهزة الأمنية المصرية، فإن مصدرا أمنيا قال لهم إن شبكات الاتصالات المصرية مقطوعة لقطع الاتصالات بين الجهاديين، وحتى لا تتصنت إسرائيل علي مكالمات المصريين في سيناء ، وهما الهدفان اللذان لم يحققهما قطع خدمة الشبكات المصرية.

بعيدا عن الحدود
«حمدلله علي السلامة وشكراً علي تجولكم مع فودافون» هى الرسالة التى تأتيك حينما تبتعد عن مناطق وقري الحدود، فإذا كانت مستخدما لفودافون فإنك تستطيع التجوال مع «أورانج» وإذا كنت مستخدما لموبينيل فإن شركتى «سيلكوم» و«بلي فون» ستقومان بتوفير خدمة التجوال، أما اذا كنت عميل اتصالات فإنك لن تستطيع الوصول الي خدمة التجوال إلا من داخل مدينة رفح لأن تجوالها يعتمد علي شبكة الجوال الفلسطينية.
غاندى سيناء: الإخوان.. باعونا!!
سعيد عتيق: «مرسي» ليس رئيسا لكل المصريين وقراراته تعزز الانفصال والعنف
سلمت رقمى القومى للمحافط .. لأن الدولة تفرق بين المصريين

علي خطى «غاندى» السلمية.. يسير الناشط السياسى سعيد عتيق «أبو فادى»، مرددا أن القضية العادلة لا تحتاج سوى شخص واحد يؤمن بها فيحركها ويشعلها حتى تصل إلى أهدافها، فهو لا يؤمن سوى بالنضال السلمى المدنى. وعلى الرغم من صغر سنه، فهو لم يبدأ بعد في عقده الثالث، إلا أنه يستمد قوته من موهبته السياسية ووقوف أكثر من 65 ألف من أفراد قبيلته وراءه.
«عتيق» الذي يصنف نفسه بأنه مواطن ينتمى إلي مجتمع عانى من كل وسائل القمع سواء من محتل أجنبي أو من دولة مصرية، يحلم بأن يكون مواطنا كامل الأهلية.


علي الرغم من الشبه الشكلي الواضح بينه وبين المناضل الكوبي «جيفارا»، إلي أنه لا يؤمن بالكفاح المسلح، ففي اعتصام البدو 2007 علي الحدود الإسرائيلية استطاع أن يهديء الأصوات المطالبة بكفاح مسلح ضد الدولة المصرية لأنه يري أن الكفاح المسلح يعطى شرعية للدولة في قمع البدو.
يصر علي النضال المدنى السلمى والالتحام مع القوى المدنية المصرية.. واحتجاجا منه علي أسلوب تعمل الدولة مع قضايا ابناء سيناء قام بتسليم أوراق إثبات شخصيته لمحافظ شمال سيناء لانه يؤمن بأن النظام الحالي لا يختلف كثيرا عن سابقه، من حيث إنه لا يساوى بين المصريين ويصر أن يتعامل مع أبناء سيناء علي أنهم مصريون على الورق فقط، وتتعامل معهم الدولة علي انهم رعايا لا يستحقون الاحترام، فيري أن الدولة المركزية المصرية غير مؤمنة بمصرية سيناء.
يري أن تسليم أوراقه الثبوتية هو نوع من ممارسة الضغط علي اجهزة الدولة، وإنذار مبكر للمسئولين بأن صمتهم وتجاهلهم للمطالب المشروعة لبدو سيناء، ممكن أن يصل الي مرحلة الانفجار، أمام ضياع هيبة الدولة، خاصة بعد تهجير أسر الأقباط من رفح وهو ما فسره بأنه بداية لإقامة الإمارة الإسلامية بسيناء.
«أبو فادى» يري أن الخلل لا يكمن في شخص مبارك الذي تحول من صديق الي عميل لإسرائيل بل يكمن في مؤسسات الدولة ورؤيتها وتعاملها مع أبناء سيناء بما في ذلك المؤسسة العسكرية التى تنظر الي سيناء علي انها مسرح للعمليات ومكان للقتال وليس جزءا من الوطن الأم مصر.
يجزم عتيق أن «مرسي» ليس رئيسا لكل المصريين لأنه لم يدرك التركيبة السكانية الحقيقية لسيناء خاصة في ظل الإصرار علي صبغ سيناء بالصبغة الإخوانية بعد تعيين إخواني نائبا للمحافظ، وتعيين آخر في منصب مستشار الرئيس لشئون سيناء متسائلا: هل يستحق الإخوان الذين يمثلون 10% من سكان سيناء منصبين مهمين، في حين تبقي القبائل التى تمثل نحو 70% من سكان سيناء في الظل.
كما يري أن قرار «مرسي» يجر سيناء نحو تشكيل ولايات تعمق القبلية ويعطى الجماعات الإسلامية الحق في السيطرة علي الشيخ زويد ورفح التى تغيب عنهما ادنى مقومات تشير لوجود دولة بهما، ويترك سيناء فريسة للجماعات التكفيرية تعبث فيها كيفما تشاء، وهو ما جعله إجمالا يعتقد أن قرارات الرئيس مرسى تعزز من انتشار الفكر المتطرف في سيناء وتعزز لفكرة الانفصال والفرقة بعيدا عن الوحدة والتلاحم.
وهو يري أيضا أن سيناء عادت الي مصر جغرافيا لكنها لم تعد للسيادة المصرية بعد، لذلك فهى المحك الوطنى لأي مسئول مصري، لانها القضية الوحيدة التى تحتاج الي التفاف شعبي.
«أبو فادى» يري أن الدستور الذي يشرف مرسي علي وضعه لا يضمن للبدو الدولة المدنية الحديثة التى تكفل لهم الحصول علي حقوقهم كاملة، يري أن الدولة مازالت تجبر الكثير من أبنائها علي اللجوء الي العنف.
«الوطنية والنضال لا يقاسان ببطاقة الرقم القومى» هو الرد الذى أجاب به علي حملات التشويه التى تعرض لها بعد أن حاول البعض تلويث فكرة التنازل عن البطاقة بالترويج بأنه تنازل عن جنسيته المصرية، وانه باع قضايا البدو، لكنه أصر علي قوله أرفض العيش تحت إدارة جماعة تفرق بين مواطنى مصر علي أساس العرق واللون والدين، وما استفدت به من الدولة سلمته لها.

بوابة الوفد الاليكترونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى