آن للناعمات الخمس أن يتجهن جنوباً

الشمال والشرق والغرب، هى الجهات الثلاث التى تعرفها مصر وتعترف بها. أسقطنا الجنوب، وإن تذكّرناه اعتبرناه زائدة ليس لها نفع، وبعضنا اعتبره زائدة مسيئة لنا، فأنكر وجدانياً أن وطننا فى قارة أفريقيا حسبما تؤكد لنا الخرائط.
فى الداخل؛ الجنوب هو اللاقيمة ومبعث السخريات، وأقصاه فى قنا وأسوان، هما المنفى القاصى القاسى للموظف المغضوب عليه. خارج الحدود، الجنوب هو السواد والتخلف والغابات الموحشة وقبائل الهونجا هونجا. استمر الحال على هذا المنوال، حتى بدأت بوادر شح المياه وغيوم حروبها. تفهّم الخطر عدد من المفكرين المصريين النابهين، ونبّهوا السُلطات والرأى العام المصرى، لكن لا حياة لمن تنادى. ثم تردى فى بالنا الجنوب الأفريقى أكثر بعد محاولة اغتيال الرئيس الأسبق. ثم كانت الصدمة مع وصول أنباء سد النهضة الإثيوبى. ارتعدت الفرائص، وهالنا أن شرياننا المائى اليتيم معرّض للشح! نيلنا الذى كان فى بالنا مستقراً مستمراً، من يشُك فى جريانه مخبول، فإذا النيل مهدد بسدود تبنيها شعوب منابع النيل الأفريقية التى تعالينا عليها أزماناً! ففقدنا أعصابنا من الصدمة، وتصرفت السلطة مستعرضة قوة خشنة لا تملكها، وعنجهية موروثة نحو تلك الشعوب، فزادت الأمور سوءاً.
ما يبشر بالحلول الموفقة أن علماء مصر ودبلوماسييها المتخصصين فى أفريقيا ليسوا بالعدد القليل. وإن سلمنا لهم ملف الجنوب عامة، وأزمة المياه خاصة، فعندهم الحلول الناجحة، التى تضمن لمصر حقوقها فى مياه النيل، وتعطى لشعوب المنابع منافع تحتاج إليها، وقبل المنافع احتراماً من مصر تجاهها وتقديراً، وهذا هو الأهم، فتلك الشعوب ليست غبية كما يظن بعض المسئولين لدينا. شعوب المنابع فى أغلبها يحبون مصر، ويتألمون لما يلاقونه منها، من استعلاء مريب و«تعنطز» عجيب.
فى تسعينات القرن الماضى، بدأتُ الكتابة عن جنوبنا الأفريقى، وبين تجمعات الأدباء تكلمت، فكنت أقابَل بالاستهجان، فما هذا الجنوب الأفريقى الذى تُعكر جلستنا به؟! وحين اشتدت حروب التصريحات بين مصر والسودان أيام حكم البشير/الترابى، اقترحت على اتحاد أدباء مصر، فى رسالة معلنة، أن نجمع وفداً أدبياً فنياً ونذهب إلى الخرطوم، لتلطيف الأجواء وتخفيف التراشقات، مسئول فى اتحاد الكتاب صرّح بأنّ عندنا ما هو أهم، ونشر أحدهم رداً يقول إن حجاج أدّول عنده مشروع نوبى، وإنه يريد لمصر مستقبلاً أسود من أفريقيا.. هكذا!
كتابتى عن الجنوب الأفريقى استمرت، وفى خلال جلسات لجنة الخمسين التى شرفت بعضويتها، تكلمت عن الجنوب الأفريقى. أشرت إلى القوى الأربع الناعمة التى تمتلكها مصر، وهى قوى مؤثرة، تستطيع المساهمة فى حل قضايا المياه بين شعبنا، هو شعب المصب، وشعوب المنابع. وتستطيع كما يقول المثل «تحويل الفسيخ لشربات». القوى الناعمة دورها الأساسى هو التقارب النفسى الذى يمهد تمهيداً مُحببا لما بعده.
أولاً: النوبة المصرية، والنوبة تاريخاً وحضارة، تعتز بها شعوب الجنوب الأفريقى أيما اعتزاز، والملايين الأفريقية الجنوبية، الموجودة فى الغرب الأوربى/ الأمريكى، تفاخر بالنوبة وتنتمى إليها وجدانياً. ومعروف أن شعوب المنابع وغيرها، بها قبائل تؤكد أن أصولها نوبية. بل إن عدداً من الرؤساء أكدوا فى مصر أنهم من أصل نوبى، مثل عبده ضيوف رئيس السنغال الأسبق وغيره.
ثانياً: الأزهر الشريف. العقيدة الدينية تجمع بين معتنقيها، بما لا يقل عن تجميع الأوطان. والمسلمون منتشرون بالملايين فى بلاد منابع النيل، ولا يمكن أن يرضوا بتعطيش المسلمين فى مصر. وللأزهر دور هام فى تلك البلدان وغيرها، ونتوقع من الأزهر الشريف المزيد من العمل هناك، للتآلف والتراحم والتعاون بين المسلمين فى بلدان المنابع وبلد المصب.
ثالثا: الكنيسة المصرية. نفس ما نقوله فى البند «ثانياً» عن الأزهر الشريف نقوله عن الكنيسة المصرية السمحاء.
رابعاً: الفنون والآداب، وهما مدخل إنسانى يصل للوجدان ويجمع الشعوب فى محبة وتآلف. ونعلم كم تهتم دول الغرب، لبث لغاتها وفنونها وآدابها فى كل أنحاء العالم بما فيها أفريقيا الجنوبية. وإن كان الغرب ثم الصين والهند حالياً، يعملون للاستنفاع أساساً، فعلينا نحن أن نعمل لصالح الجميع حسب مصطلح (فائز/فائز).
ثم خلال حديثى مع سائق، تبين لى أنه خلال عمله مع إحدى الشركات، زار العديد من دول أفريقيا الجنوبية. وفوجئ بالاهتمام الخاص الذى تلقّاه من مسئولى المطارات هناك وغيرهم، لأنه من بلد عبدالناصر، وعليه أضيف..
خامساً: سمعة الرئيس المصرى الأسبق جمال عبدالناصر. فما زال الكثيرون من النخب الأفريقية الجنوبية يتذكرون وقفته مع استقلال بلدانهم، فهو أسطورة منيرة لديهم، وعلينا أن نجعل عبدالناصر مدخلاً من مداخل القوى الناعمة فى أفريقيا جنوب الصحراء.
القوى الناعمة الخمس، فى مجملها، هى تمهيد لما بعد، تمهيد نفسى للمدخل الأهم الرابط بين الشعوب، وهو المصالح المشتركة. أى إن تلك القوى الناعمة الخمس لن تأتى كامل فاعلياتها إلا بعد ترسيخ الاقتصاد المشترك بين مصر وبلاد منابع النيل وتكوين مؤسسات اقتصادية متينة بين الحكومات ورجال الأعمال، مما يجلب الربح للجميع، حينها ستقوم شعوب منابع النيل نفسها بالحفاظ على المياه الجارية شمالاً إلى مصر، لسببين رئيسيين؛ أولهما، أنها نتيجة للقوى الناعمة الخمس، تحب مصر، ثانيهما، أن المياه الجارية شمالاً ستعود لهم جنوباً منافع مادية.
هذا ما أنادى به منذ سنوات طويلة، وأعتقد أن علماء مصر فى شتى الجوانب، لهم أفكار نيّرة فى حل تلك القضية بالغة الأهمية.. قضية مياه النيل.
الوطن






