يوميات حرب أكتوبر كما كتبها أبو غزالة

كتب:يوسف القعيد
هذه ليست مذكرات أبو غزالة عن حرب أكتوبر. ولا أمتلك نسخة منها بخط يده. حفظها الأبناء وباعها الأحفاد «بالشىء الفلانى»، إنه كتاب عن دور المدفعية فى حرب أكتوبر. صدرت طبعة جديدة منه هذا الأسبوع عن مكتبة الأسرة التى تتولاها هيئة الكتاب.
والكتاب عنوانه: وانطلقت المدافع عند الظهر. والعنوان لا يخص أبو غزالة. فبعد حرب يونيو 67. أصدر كاتب إسرائيلى كتابًا عنوانه: «وتحطمت الطائرات عند الفجر». وقد رد عليه أحمد بهاء الدين بكتاب بديع بعد السادس من أكتوبر. كان عنوانه: «وتحطمت الطائرات عند الظهر». وكتاب أبو غزالة يخلو من الكتابة التى تفوح بعطر الإنسانية. كتابة متقشفة، لأن أبو غزالة بعد نجاح مبارك فى التخلص منه. أخذ سمت المفكر الاستراتيجى، وبدأ الكتابة فى اتجاهين. الأول: الكتابات العسكرية التى بدأها بكتاب: «عن حروب الرسول (ص)». ثم دخل ميدان الترجمة. ولأن الزمن كان قد بدأ يعطيه ظهره. لم ترحب دور النشر بكتبه. واضطر إلى طباعة بعضها على نفقته الخاصة.
الكتاب مخصص لدور المدفعية فى حرب أكتوبر. ولذلك نجد شهادة بخط يد الرئيس السادات فى مدخل الكتاب تتحدث عن دور المدفعية فى حرب أكتوبر.
يبدأ أبو غزالة فصل القتال هكذا:
– فى الخامس من أكتوبر استدعى قائد الجيش الثانى اللواء محمد سعد الدين مأمون القادة ليبلغهم عن سعت س وهى الساعة التى يبدأ عندها اقتحام القوات الرئيسية للقناة. أو بتعبير أدق هى لحظة إبحار الموجة الأولى من القوات الرئيسية من الشاطئ القريب للقناة. وكانت تعليماته تنص على أن يبدأ تبليغ قادة اللواءات بها فى الساعة التاسعة من صباح 6 أكتوبر. حيث يبدأ تسلسل وصول التوقيت إلى القادة على التوالى فى سرية تامة إلى أن يبلغ الجنود الساعة 1200 وليس قبل ذلك. وتم تنفيذ تعليمات القائد بكل دقة.
قادة اللواءات أُبلِغوا ببدء الحرب الساعة التاسعة من صباح السادس من أكتوبر «النيل» الاسم الرمزى لمدفعية الجيش الثانى.. و«مأمون» الاسم الرمزى لأول قصفة فى التمهيد النيرانى
وعندما أشارت عقارب الساعة إلى الواحدة ظهرًا (الساعة 1300) كانت مراكز القيادة على مختلف المستويات قد اتخذت أماكنها فى سرية تامة، ولم يلحظ العدو الإسرائيلى أى تغيير فى أوضاع القوات، بل كانت هناك جماعات كُسَّلْ من الجنود تجلس فى استرخاء على حافة القناة يتناولون بعض المرطبات. وقد تدلت أرجلهم فى مياه القناة وليس معهم حتى سلاحهم الشخصى أو خوذاتهم.
وتم فى الفترة من الساعة 1300 حتى الساعة 1400 تأكيد أهداف المدفعية. وبدأت فى الساعة 1400 تصل أول البلاغات على استعداد القوات. وكان أول بلاغ هو بلاغ قائد مدفعية الجيش الثانى إلى قائد الجيش الثانى (النيل)، وهو اسم رمزى لمدفعية الجيش الثانى. حاضر لتنفيذ مأمون. وهو الاسم الرمزى لأول قصفة فى التمهيد النيرانى. ووصل أمر قائد الجيش: «كل شىء فى ميعاده».
لحظة الصفر
كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية وأربع دقائق من بعد ظهر السادس من أكتوبر عندما مرقت فوق القناة الطائرات المصرية متجهة إلى أهدافها. وفى الثانية وخمس دقائق أصدر قائد المدفعية أمره: «النيل اضرب»، فانطلقت آلاف المدافع تهدر وتصب حممها على النقط الحصينة لخط بارليف وأماكن تمرز احتياطيات العدو.
وبينما استمرت أكثر من ألفى مدفع ميدان ومتوسط وثقيل وصواريخ وهاونات تصب حممها على خط بارليف ونقطه الحصينة وغير ذلك من الأهداف بدقة وكثافة وقوة لم يسبق لها مثيل راح عدد كبير من المدافع يطلق نيرانه بالرمى المباشر على مزاغل الدشم ونقط النيران المكتشفة ويفتح الثغرات فى مواقع الأسلاك الشائكة والألغام.
ومع بداية التمهيد النيرانى وتحت ستر هذه النيران الفعالة القاتلة اندفعت مفارز من القوات تعبر القناة لتستولى على مصاطب الدبابات الموجودة فى العمق القريب وثبت الألغام والشراك فى المصاطب الأخرى وتنصب الكمائن على طرق اقتراب احتياطيات العدو المحلية لتمنعها من التدخل فى اقتحام القناة بواسطة القوات الرئيسية التى ستتم بعد دقائق.
مصاطب الدبابات
أنشأ العدو عددًا كبيرًا من السواتر الترابية أطلقنا عليها مصاطب الدبابات طول كل منها يتراوح بين 150، 200 متر وبارتفاع وصل إلى عشرة أمتار وميل تدريجى وصل من 1 إلى 10، وذلك على أعماق مختلفة على جميع المحاور المحتمل أن تعمل عليها قواتنا. وكانت هذه المصاطب تعتبر خطًا دفاعيًّا ثانيًا تستند إليه دباباته التى يدفعها من العمق لتركيبها وتسيطر بنيرانها على الأرض المحيطة، وبذلك يمكنها أن تغطى على أى قوات مصرية تنجح فى التغلب على المانع المائى والساتر الترابى المنشأ على شاطئه.
وللسيطرة على المصاطب وحرمان العدو من استخدامها دفعت مجموعات اقتناص دبابات مسلحة بالقواذف الصاروخية رب.ج. والمقذوفات الموجهة المضادة للدبابات التى يحملها جنود من المدفعية على الظهر وألغام مضادة للدبابات وقنابل مضادة للدبابات، وكانت مهمة هذه المجموعات اقتحام القناة مع بداية التمهيد النيرانى والوصول إلى السواتر واحتلالها وصد أى هجمات مضادة لاحتياطيات العدو.
وبعد حوالى 1 – 1.5 ساعة دفع العدو باحتياطياته المحلية لمقابلة الهجوم المصرى، وكان يعتقد أنه سينجح فى تدمير الهجوم المصرى ورده على أعقابه، وهنا حدثت المفاجأة فلقد واجهته مجموعات اقتناص الدبابات فدمرت معظم هذه الاحتياطيات، وإن تمكنت بعض الدبابات الفردية من الاختراق والوصول إلى الشاطئ، لكن سرعان ما تمكنت قوات العبور الرئيسية من تدميرها، وبذلك فشل الهجوم المضاد المحلى نتيجة معارك مجموعات اقتناص الدبابات كلها بطولة وفداء وتعاون.
فى أقل من ست ساعات وعلى وجه التحديد نحو الساعة 1930 كانت القوات المصرية قد استولت على أكثر من نصف نقط العدو الحصينة وعزلت الباقى منها، وبدأت القوات فى تصفيتها، واستعدت لتطوير الهجوم فى العمق. وكان الموقف على الجانب الآخر كما وصفه بنحاس سابير وزير المالية بعد ذلك مرعبًا: «لم تكن هناك سوى خطوة واحدة باقية ثم تباد إسرائيل تمامًا». وبدأ اليأس يدب فى نفوس القادة الإسرائيليين حتى إن ديان اقترح إخلاء جميع القطاعات الحصينة فى خط القناة، وأن يوقفوا معارك الدبابات، وأن يقيموا خطًا جديدًا بالقرب من الممرات على مسافة 30 كم شرق القناة.
وقبل أن يبزغ فجر اليوم التالى كانت القوات المصرية قد وصلت إلى عمق 5 – 6 كيلومترات، وتم عبور أعداد كبيرة من المدرعات والمدفعية والأسلحة الثقيلة. وخلال السابع من أكتوبر بدأت قواتنا فى تطوير هجومها شرقًا، ووصلت إلى عمق من 8 – 10 كم، حيث بدأت تستعد لصد الهجمات المضادة للعدو الإسرائيلى المتوقعة. وكان للمدفعية المصرية فضل كبير فى تحطيم كل الهجمات المضادة التى تمت فى الثامن من أكتوبر 1973.
وفى فجر الثامن من أكتوبر أبلغ أحد مراكز ملاحظة المدفعية الذى تم دفعه فى العمق ليلة 6 – 7 أكتوبر عن وجود لواء مشاة ميكانيكى للعدو مدعمًا بعدد كبير من الدبابات متجمعًا على الطريق الأوسط ويعيد الملىء، وبسرعة تمت تقدير الموقف اتضح أنه فى مرمى نحو 20 كتيبة مدفعية. واقترح قائد مدفعية الجيش الثانى على اللواء محمد سعد الدين مأمون أن يتم ضرب حشد نيران هذا اللواء قبل أن ينتهى من إجراءات إعادة الملء، فصدق على ذلك. وتم تأكيد إحداثيات مكان للواء. وتم تنفيذ قصف نيران مدتها 10 دقائق بعشرين كتيبة مدفعية على اللواء. وكم كانت سعادة الجميع عندما وصل البلاغ من مجموعة مؤخرة كانت قد دفعتها قيادة الجيش الثانى فى العمل تؤكد أن النيران كانت مؤثرة، وأن الحرائق تشتعل فى كل مكان، وأن هذا اللواء تعرض لخسائر جسيمة جعلته غير قادر على دخول المعركة لفترة طويلة، وأن الكثيرين منه قد فروا من الجحيم. وأكدت عناصر الاستطلاع اللاسلكى هذا البلاغ عندما التقطت استغاثات قائد اللواء وبلاغاته عن خسائره الجسيمة.
رجال الفهد
أما رجال الفهد أبطال حرب أكتوبر، فالحديث عنهم يحتاج إلى كتاب خاص. رجال ضربوا المثل فى البطولة والتضحية. ولقد سمعنا الكثير عن صائدى الدبابات، وكمثال فقط أنشر ما كتبته جريدة الأخبار المصرية عن عبد العاطى صائد الدبابات فى عددها الصادر يوم؟ لا يذكر أبو غزالة يوم النشر. وضع مكانه علامة استفهام. ويبدو أن من نشروا الكتاب لم يفكروا فى تحديد اليوم بدلًا من علامة الاستفهام. أيضًا لا يعنى أبو غزالة الكلام عن مصير عبد العاطى صائد الدبابات. الذى مات مؤخرًا، لأنه لم يجد من يعالجه من سرطان الكبد. مع أنه دمر 26 دبابة للعدو الإسرائيلى. وفى التاسع من أكتوبر كان موقف القوات المسلحة على جبهة القناة سيئًا، فلقد نجحت القوات المصرية فى توسيع رؤوس الكبارى إلى عمق كبير وصل إلى 15 كم، وفشلت الهجمات والضربات المضادة التى شنتها المدرعات الإسرائيلية بحشود كبيرة ووقع فى الأسر الكولونيل عساف ياجورى الذى قام بلوائه (اللواء 190 المدرع) بتوجيه ضربة مضادة فى اتجاه الفردان. ويتضح من حديث موشى ديان يوم 9 أكتوبر (فى مؤتمر صحفى) أمام مجموعة من المحررين ورؤساء تحرير الصحف الإسرائيلية الموقف الإسرائيلى على الجبهة المصرية.
وتأتى أقوال العقيد عساف ياجورى الذى وقع فى الأسر يوم 6 أكتوبر بعد أن تم تدمير لوائه (اللواء 190 مدرع) بواسطة قوات الفرقة الثانية المشاة المصرية بالتعاون مع احتياطى المدفعية المضادة للدبابات للجيش الثانى الميدانى لتوضيح مدى نجاح المدفعية فى تكبيده خسائر جسيمة فى قواته قبل دخوله المعركة. فلقد جاء فى أقواله إن قواته تعرضت طوال تقدمها فى بالوظة وحتى قيامه بالهجوم المضاد فى قطاع الفردان لقصف مؤثر من المدفعية المصرية أدى إلى تدمير أكثر من 70% من مشاته الميكانيكية، وأنه تصور أن دقة النيران وتأثيرها الشديد لا يمكن أن تكون كذلك إلا إذا كان هناك ضابط مدفعية مصرى يقف على برج دبابته (أى يكن يتصور أن ضباطًا من المدفعية دفعوا فى العمق لهذا الغرض، لتصحيح النيران على احتياطيات العدو المتقدمة، فمن واجب المدفعية أن تسكت هذه الاحتياطيات وتدمرها على طرق اقترابها البعيدة وفى مناطص تجمعها وأثناء فتحها وأثناء هجومها، وهو ما حققته المدفعية المصرية. ويكفى أن نقول إن إدارة نيران المدفعية كانت على مستوى عالٍ من الكفاءة، الأمر الذى أمكن معه حشد نيران عدد كبير من كتائب المدفعية وصل فى بعض الحالات إلى 17 كتيبة على هجمة مضادة واحدة للواء مدرع إسرائيلى، كان من نتيجتها أن دمرت لهذا اللواء نحو 32 دبابة وارتد اللواء مذعورًا دون أن ينفذ هجمته المضادة، وتلقفت الصواريخ المضادة الدبابات العدو الذى تابع تقدمه من الدبابات فدمرتها، وحدث أن نجحت أربع دبابـات مـن هـذا اللـواء فـى الوصـول إلـى تبـة الطاليـة، حيث دمرها رجال المشاة بالقواذف رب ج. لقد ظهر فى صد هذا الهجوم التعاون الوثيق الممتازين المدفعية والمشاة فكانت سيمفونية رائعة لم تشهد الحروب لها مثيلًا.
يوميات الحرب
ثم يدون أبو غزالة يومياته عن حرب أكتوبر. وهو تدوين عسكرى جاف. ربما كانت فيه خشونة. لأنه يخلو من الوصف الإنسانى للأحوال التى كان المقاتلون المصريون عليها وهم يحاربون العدو الإسرائيلى على أرض سيناء التى احتلها من 1967 إلى 1973، وكان تحرير ترابها الهدف الرئيسى والجوهرى لحرب أكتوبر. وأنا أنقلها كما هى ليعيش القارئ روح كتابة ضابط مدفعية حضر هذه الحرب. ثم أصبح وزيرًا للدفاع. وحصل على رتبة المشير حتى نقارن بين كتابة ضباطنا وغيرهم من ضباط العالم الذين يكتبون ما لديهم بقدر من الإحساس الأدبى. أنا لا ألوم أبو غزالة. ربما كان ذلك جزءًا من طبعى الشخصى. ولكن كل ما يتصل بالوطن يقترب من حدود الغناء عندى. فما بالك بالدفاع عنه؟
من سجلات الحوادث
بعض الأعمال القتالية خلال الفترة من 9 أكتوبر حتى 24 أكتوبر 1971.
1- يوم 6 أكتوبر.
* التمهيد النيرانى.
– بدأ التمهيد النيرانى الساعة 1405 على الأهداف المخططة بعد تعديلها طبقًا لنشاط العدو صباح اليوم. ولقد تأكد تدمير البطارية المعادية رقم 292 وشوهدت حرائق وانفجارات فى منطقة الهدف، وأجرت مراكز الملاحظة انتقالاتها إلى منطقة رأس الكوبرى شرقى القناة باستخدام القوارب المطاطة مع الموجات الأولى للعبور. الساعة 1610 – تم تدمير بطارية معادية ملا الإحداثى (…..) رصدت بواسطة الصوت.
الساعة 1620 – رصدت تجمعات دبابات فى منطقة النقطة القوية فى تل سلام، وتم التعامل معها بكتيبتين من اللواء وتم تدمير 4 دبابات.
من الساعة 2020 وحتى الساعة 2359، واشترك اللواء بكامل وحداته فى إيقاف هجوم مضاد لكتيبة دبابات على محور الطريق الأوسط جنوب كثب عيفان وتم إيقاف الهجوم وإجمالى خسائر العدو 26 دبابة.
2- يوم 7 أكتوبر.
– تم إسكات سبع بطاريات معادية معظمها بعيد المنال وتم إسكات 3 بطاريات معادية استعادت نشاطها.
3- يوم 8 أكتوبر.
– تم إسكات 3 بطاريات معادية، وصد الهجمات المعادية لدبابات العدو بواسطة لواء مدرع ضد رأس كوبرى الفرقة الثانية المشاة والفرقة 16 مشاة، وتم عبور إحدى كتائب اللواء إلى رأس كوبرى الفرقة 16 مشاة، كما انتقلت سرية الصوت إلى منطقة الطالبة.
4- يوم 9 أكتوبر.
– تم إسكات 8 بطارية معادية، وصد الهجمات المضادة لدبابات العدو على رؤوس الكبارى.
5- يوم 10 أكتوبر.
– إسكات 6 بطاريات معادية، حددت بواسطة الصوت اللاسلكى، وبعضها تم إسكاته أكثر من مرة. ولقد تأكد تدمير 3 بطاريات منها.
6- يوم 11 أكتوبر.
– تم إسكات 4 بطاريات معادية للعدو وتأكد تدمير واحدة منها.
7- يوم 12 أكتوبر.
– تم إسكات عدد 7 بطاريات مدفعية للعدو جميعها بعيدة المدى، ونفذت خطة إزعاج لمواقع مدفعية العدو المحتملة.
8- يوما 13، 14 أكتوبر.
– بدأت مهمة التطوير شرقًا بدفع مفارز مدرعة فى اتجاه الطاسة. وقامت المجموعة أى اللواء بتأمين دفع هذه المفارز. ولما كانت الدبابات هى نتاج تطور الفرسان فإن حرب المدرعات يمكن تشبهها بهجوم لواء الخيانة المشهور ممزوجًا بصدمة معركة الأسطول القديمة أو بتعبير آخر أمواج من الدبابات تزحف عبر الصحراء فى هجوم كاسح رهيب. لكن الحقيقة عادة ما تكون أقل من الخيال. ففى ظروف المعركة تتدحرج الدبابة فوق سطح الأرض ببطء نسبى وليس بكل سرعتها، ونادرًا ما تطلق نيرانها فى أثناء الحركة. وإنما تفتح نيرانها من وقفات قصيرة. وعليه يمكن تشبيه قتال الدبابة بمباراة حامية للشطرنج يحاول كل طرف فيها أن يناور ويحاور ويداور ليحصل على ميزة تمكنه من توجيه ضربات قوية مفاجئة لخصمه لا يمكنه الرد عليها. وعلى رجل المدرعات أن يستغل الإمكانيات الميكانيكية والقتالية لديانته إلى أقصى حد. ولذلك تبنى الدبابة بالشكل الذى يعطيها القوة والسرعة معًا. ويكفى أن تتصور معى دبابة قادرة على حمل وتحريك وزن كسر من الدروع (30 – 50 طن من الصلب)، ولها قدرة عالية على المناورة وخفة الحركة. أن ذلك ليس بالأمر السهل البسيط كما يجب أن يكون للدبابة مدفع قوى، وأن تكون الدبابة قادرة على تحمل الصدمة الناتجة من عند الضرب، والتى تصل إلى ما يعادل وزنها تقريبًا. هذا إضافة إلى الكثير من الأشياء الأخرى الهامة مثل خزانات الوقود وأجهزة التهوية… مشكلة هذه الكتابة أنها تتحدث عن دور المدفعية المصرية فى حرب أكتوبر. وكأنها بمعزل عن باقى الأسلحة الأخرى. مع أنه فى الحروب تحدث حالة من التناغم التام بين الأسلحة المختلفة. فلا يمكن أن يقوم سلاح بدورٍ مستقلٍ عن باقى القوى. ويخيل إلىَّ أن دافع أبو غزالة لهذا كان ناتجًا من عملية اختصار حرب أكتوبر فى الضربة الجوية. كنوع من النفاق لمبارك عندما كان رئيسًا. وهذا الإغفال لدور القوات الأخرى أدى إلى أن كل ضابط ينتمى إلى سلاح آخر كتب عن سلاحه متجاهلًا الأسلحة الأخرى. لا أعرف إن كانت الحادثة التالية وقعت وأبو غزالة على قيد الحياة أم بعد رحيله عن الدنيا. ففى إحدى رحلات مبارك لباريس. وكان يصاحبه عدد من رجال الأعمال. اقترب من الدكتور عادل حسنى المنتج السينمائى المعروف. وربَّت على كتفه وقال له: إيه حكاية حائط الصواريخ يا عادل اللى انت عامل فيلم عنها؟ هو كان فى الحرب غير الطلعة الجوية؟ ربما كانت هذه الواقعة سببًا فى عدم عرض الفيلم حتى الآن. وأيضًا كانت السبب الجوهرى أن كل ضابط ينتمى لسلاح أعلا من شأن سلاحه، وتجاهل كل الأسلحة الأخرى. المشكلة أن الدفاع عن الأوطان يذكرنا بعبارة مصر الفرعونية التى صارت مثلًا فى الوطنية: عندما يكون الكل فى واحد.
التحرير






