وزارة الداخلية في زمن الديكتاتور

3محمد الشماع

الأمن.. من السقوط فى حادثة «المنصة» إلى الانهيار فى ثورة «الميدان»

مبارك فضَّل مدرسة «الأمن العام».. لكنه وقع فى غرام «أمن الدولة» بسبب العادلى

فى عصور الديكتاتورية يكتنف الغموض كل شىء، فلا معلومة حقيقية، ولا أسباب موضوعية فى اختيار «بطانة» الحاكم وبلاطه. ووزارة الداخلية كانت من أكثر المؤسسات الرسمية غموضا، خصوصا فى الفلسفة الأمنية لكل من يعتلى عرش الوزارة السيادية الكبرى.

فى كتابه «الأمن من المنصة إلى الميدان»، الصادر عن دار «العين»، يضع حمدى البطران، رصدا كاملا وموثقا لحركة الأمن فى مصر منذ حادثة المنصة عام 1981، الذى ذهب ضحيتها الرئيس الراحل أنور السادات، حتى ثورة يناير، محاولا الوقوف على التفاصيل الأمنية المهمة فى تلك الفترة، راصدا ملامح التدهور الأمنى وظهور الجماعات المتطرفة، ومن ثم التأسيس لسياسة تكميم الأفواه، التى عجّلت بالثورة. يرصد صاحب رواية «يوميات ضابط فى الأرياف» عددا من الملفات الأمنية التى تناولتها الوزارة، خصوصا فى عهد حبيب العادلى، ولعل أهمها ملف سيناء التى شهدت تاريخا مروعا من التفجيرات.

كان ملف الإخوان المسلمين من الملفات الشائكة التى أعطى مبارك حرية التعامل فيه للجهاز الأمنى، ربما حاول الرئيس السابق أن يتلافى خطأ شنيعا وقع فيه سلفه السادات الذى كان يدير هذا الملف بنفسه، وربما أراد أن «يريح دماغه»، لكنه فى الوقت ذاته أمل فى أن يستخدمهم كتيار دينى معتدل لمواجهة الجماعات المتطرفة، فسمح لهم بالدخول فى انتخابات 1984 و1987 على قوائم بعض الأحزاب، بالإضافة إلى منحهم حرية الحركة داخل النقابات وفى الجامعات.

كانت العلاقة بين الأمن والإخوان على ما يرام فى بداية الألفية الجديدة، ووصلت إلى ذروتها فى 2005، عندما حصل مرشحو الجماعة على 88 مقعدا فى البرلمان، إلا أن تلك العلاقة سرعان ما أخذت فى التدهور فى نفس العام، بدءا من مؤتمر دعت إليه الجماعة لإلغاء حال الطوارئ، مرورا بالعرض العسكرى الذى قام به طلاب الإخوان فى جامعة الأزهر، انتهاء بموقف الإخوان من حصار غزة.

مارس الأمن سياسة تكميم الأفواه بنجاح باهر فى عهد حبيب العادلى، فحاول إرهاب القضاة والصحفيين، فتم اختطاف الكاتب الصحفى عبد الحليم قنديل من أمام منزله فى 2 نوفمبر 2004، وانتهكت أجساد الصحفيات شيماء أبو الخير وعبير العسكرى والراحلة نوال على، فى أثناء التظاهرات الرافضة للتعديلات الدستورية فى 2005، بينما أطلقوا يد محاميهم «الملاكى» لإقامة دعاوى ضد أربعة من رؤساء تحرير الصحف الخاصة «عبد الحليم قنديل وعادل حمودة وإبراهيم عيسى ووائل الإبراشى» بتهمة سب وقذف الرئيس فى 2007.

يعتبر تمرد الأمن المركزى من أهم الحوادث التى غيَّرت مفهوم الأمن فى الدولة فى العصر الحديث، لأنها كانت مواجهة بين مؤسستين أمنيتين «الشرطة والجيش»، مما عرّض الدولة لخطر كبير. فى السادسة من صباح 26 فبراير 1986 أعلنت أجهزة الإعلام المصرية عن فرض حظر تجول فى منطقة الأهرامات بالجيزة اعتبارا من السادسة صباحا، بسبب تمرد المجندين بقطاع الأمن المركزى بالمنطقة، وفى الثانية والنصف بعد الظهر كانت دبابات القوات المسلحة ومدرعاتها منتشرة فى الشوارع الرئيسية لحماية الأرواح والممتلكات. بعدها أعلن التليفزيون الرسمى قرار إغلاق المدارس والجامعات فى مدن القاهرة والجيزة والإسكندرية وأسيوط وسوهاج.

حادث تمرد الأمن المركزى ألقى بظلاله على عملية اختيار وزراء الداخلية فى ما بعد، وكان نقطة الفصل بين مدرستين من مدارس الأمن فى مصر «مدرسة أمن الدولة، ومدرسة الأمن العام».

عموما الوزراء الذين ينتمون إلى مؤسسة أمن الدولة يغلب عليهم الطابع الرسمى فى التعاملات، يميلون دائما إلى التقارير المكتوبة، كما أنهم يميلون إلى تجميع المعلومات، وكذلك يميلون إلى أهل الثقة دون أهل الخبرة، مما يساعد على نمو الشللية، وهم يستمعون أكثر مما يتكلمون. قراراتهم بطيئة لكنها حاسمة وعملية. دائما ما تراهم فى حال ارتياب من الآخرين، لذلك يميلون إلى خلق روح التآمر فى الأماكن التى يعملون بها. كما يتصيدون الأخطاء لغير المرغوب فيهم، وهؤلاء هم من أقحموا وزارة الداخلية فى العمل السياسى، ومنهم اللواء حسن أبو باشا وحبيب العادلى، الذى جعل مبارك يقع فى غرام «أمن الدولة». أما الوزراء الذين ينتمون إلى مدرسة الأمن العام، هم كل وزراء الداخلية بعد حادث الأمن المركزى فى 1986حتى الآن، عدا حبيب العادلى، وهم من العاملين فى حقل الأمن الجنائى يميلون إلى الواقعية ويتفهمون نبض وحركة الشارع، ويحسنون التعامل مع الآخرين، لخبرتهم العالية فى التعامل المباشر مع الجماهير.

 

الدستور الأصلى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى