البابا الجديد بين طريقين

 

قبل ان يجري تنصيب البابا تواضروس الثاني رسميا اسدي له الكثير التهنئه‏,‏ والنصائح‏,‏ والتحذيرات‏,‏ هناك من نصحه بان يمضي علي نهج سلفه البابا شنودة‏,‏ واخرون‏-‏ من الاسلاميين علي وجه الخصوص‏-‏ طالبوه بتغيير توجهات الكنيسه‏,‏ وعدم الانخراط في ملفات سياسيه‏.‏

الملفت انه عند رحيل البابا شنوده, عبر الجميع عن مشاعر الفقد واللوعه, وكتب احد المفكرين الاسلاميين مقالا طويلا تحدث فيه عن ماثر الراحل, ورؤيته الصائبه, ومواقفه المستنيره من الاسلام والمسلمين, ولم تمض سوي شهور حتي طالب نفس الشخص البابا الجديد بان يصلح المسيره, ويصحح الاخطاء السابقه. وتفترض مطالبه البطريرك الجديد بعدم لعب دور سياسي وان سلفه كان موغلا في السياسه. اظن ان السياسه التي يتحدثون عنها هي الحديث باسم الاقباط, وعرض مطالبهم, والمطالبه بحل مشكلاتهم. النصائح التي تسدي للبطريرك الجديد هي الانكفاء داخل اسوار الكنيسه, وعدم الحديث في المشكلات القبطية, والاكتفاء بالرعايه الروحيه للاقباط. وهو تصور مثالي يعود بالكنيسه الي رسالتها المبدئيه, يطالب به الاقباط انفسهم. لكن اداره الشان العام ليست بالاماني ولكن بالادوات السياسيه المتاحه. اذا كان مطلوبا من البطريرك الصمت فمن يتحدث؟. مادام اخترنا المثاليه في ابعاد المؤسسه الدينيه عن السياسه, وهو شيء محمود.

الواقعيه السياسيه تقضي بان يكون هناك نظام سياسي, بمؤسساته وهيئاته وقوانينه وقراراته, يعبر عن كل المواطنين, ويسعي دائما لحل مشكلاتهم. اذا اغلقت ابواب مؤسسات الدوله في وجه المواطنين, او تحولت الي مجرد مكاتب بريد تتلقي الشكاوي دون ان تحرك ساكنا, فان المواطن لن يسكت. اما ان ياخذ حقه بيده وهي لغه المال والعضلات والبلطجه التي نراها في شوارع المحروسه ليل نهار, او ان يلجا طالبا العون والمساعده من اسرته, اقربائه, عشيرته, جماعته الدينيه, المسجد, الكنيسه, الخ. هل نلوم المواطن مهضوم الحق, ام نلوم الجهه التي يلجا اليها لمساعدته في نيل حقوقه؟ ام نسكت الاصوات التي تطالب بتحقيق المساواه والمواطنه حتي يتعزز وضع التمييز والتفرقه في الثقافه العامه؟

المشكلات ذات الابعاد الدينيه متعدده, تعود الي التعصب وتراجع التنميه والتقلبات السياسيه الحاده. وهناك اطراف تسعي الي ان يكون الملف الديني ملتهبا, بحيث يظل ملعبا مفتوحا لاستعراض العضلات, وفرض الامر الواقع في بلد لم يكتمل بناؤه السياسي. هناك مشكلات متعلقه ببناء كنائس, واخري بحالات تغيير العقيده خاصه بالنسبه للفتيات المراهقات اللاتي يعتبرن قاصرات طبقا للقانون, وثالثه تتصل بتولي الاقباط المواقع العليا في جهاز الدوله, وضعف التمثيل السياسي في الهيئات المنتخبه, فضلا عن المناخ الاجتماعي العام الذي يتسم بالعشوائيه والانفلات بما يحمل بين طياته امكانيه تفجر مشكلات ذات طبيعه دينيه في مجتمعات انخفضت مناعتها الثقافيه والاجتماعية, خاصه في ظل ظهور جماعات تسعي لفرض سيطرتها علي المجتمع, ولي ذراع اجهزه الدوله التي لم تعد تملك سوي التفاوض معها, وهو ما يعزز سلطتها ومكانتها في المجتمع. للاسف افضت جهود التخلص من الدوله الاستبداديه الي دوله ضعيفه. اذا ظل الحال كذلك فانه سوف يقوض شرعيه السلطه القائمه التي لا تزال علي المحك, وينشر العنف المجتمعي علي نطاق واسع, ويرسخ اعتقادا بان هناك غطاء سياسيا تتمتع به هذه الجماعات.

هناك سيناريوهان لا ثالث لهما: الاول ان تظل الكنيسه- كما كان الحال طيله العقود الماضيه- معبره عن مشكلات الاقباط, ومتحدثه باسمهم, وتجري التفاوض مع السلطه بشانها في اتصالها برئاسه الجمهوريه. الامر الثاني: ان نخرج من اسر هذه العلاقه بالتاكيد علي دوله القانون والمؤسسات عبر استحداث اليات مؤسسيه جديده يكون من مهامها التصدي للتمييز وانتقاص الحقوق والتاكيد علي المساواه والتمتع بحقوق المواطنه كامله.

السيناريو الاول يعني ان تظل الكنيسه معبره عن الاقباط, ويظل البطريرك هو الناطق باسمهم. اما السيناريو الثاني فانه يعني باختصار ان تتولي الدوله التعبير عن مواطنيها, والحدث باسمهم, مسلمين ومسيحيين. هذه لحظه فارقه في تاريخ المجتمع. هناك رئيس جديد وبطريرك جديد, اما ان تظل مصر متعثره في السيناريو الاول المعبر عن دوله الطوائف, او تتقدم في السيناريو الثاني الذي يجسد دوله المواطنه والقانون.

وبالتالي بدلا من مطالبه البطريرك الجديد بالصمت في الشئون القبطيه, لانه لا يملك ترف الصمت, ضميريا وانسانيا وروحيا, ينبغي ان نرفع عن كاهل الكنيسه التي يراسها هذا العبء, وتتولي مؤسسات الدوله التصدي لمشكلات المواطنين, وتوفير الحمايه والامن لهم. حتي يتحقق ذلك اقترح انشاء اداه مؤسسيه ايا كان اسمها مجلس, هيئه, لجنه, اداره, الخ تتولي التصدي للمشكلات ذات الطبيعه الدينيه, يكون لها صلاحيات اداريه وتنفيذيه, تمتلك سلطه التقصي والتحقيق, وتضع تصورات ومشروعات لسياسات وقوانين علي المدي المتوسط والبعيد لترسيخ روح وممارسه التسامح والمواطنه في المجتمع.

 

أخبارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى