تدهور الاقتصاد واقتراب ساعة حساب الإخوان

الحقيقة التي من غير السار سماعها، من قبل النخب السياسية في الحكومة والمعارضة في مصر، هي أنه لا وجود لوسيلة على الإطلاق توقف الأزمة الاقتصادية المتنامية في ظل الثورة بدون الإطاحة بالنظام الرأسمالي ذاته. فالشروط التي بموجبها فقط يمكن للنخبة السياسية، سواء كانت القوى الإسلامية أو المعارضة بشكل ما، أن تسيطر على الموقف الاقتصادي المتأزم، هي بإعادة تسريع آلة القمع والاستبداد غير أن جماهير الثورة لحسن الحظ في مصر الجديدة لن تسمح بهذا، فقد تغير كل شيء في مصر جوهرياً بفعل الزيادة المتنامية في ثقة الجماهير العريضة بنفسها عبر انتصاراتها المتلاحقة.
الاقتصاد المصري مازال في حالة تباطؤ شديد، وإذا ما استمرت المؤشرات الاقتصادية على النمط ذاته، فإن ذلك سيؤدي لأزمة طاحنة، فالتوجهات الاقتصادية للرئيس محمد مرسي وحكومته، تسير بالبلاد، على نفس طريق لجنة سياسات الحزب الوطني السابق، إذ تنتهج سياسة الاتجاه لاقتصاد السوق، التي انتهجتها الحكومة في السنوات الأخيرة في حكم مبارك، وأثبتت فشلها في مصر وبلدان أخرى.
ويقول محللون إن موافقة صندوق النقد الدولي على إقراض الحكومة مرهون بتنفيذها إجراءات تقشفية أكثر تشدداً مثل إجراء زيادات سعرية على المواد البترولية وتطبيق إجراءات إصلاحية أوسع نطاقاً على المستوى الضريبي.
وتعتزم الحكومة تطبيق إجراءات تقشفية، منها إصلاح دعم الوقود، عبر طرح كارت ذكى للبنزين والسولار، بدءاً من يوليو المقبل، لمعالجة عجز الميزانية المتوقع أن يصل لنحو 200 مليار جنيه في نهاية السنة المالية في 30 يونيو المقبل، وذلك في إطار اتفاق على قرض بقيمة 4،8 مليار دولار، مع صندوق النقد الدولي؛ تقول إنه بوابة للحصول على نحو 20 مليار دولار، من الدول والمؤسسات الدولية المانحة. ومن المتوقع أن تفشل الحكومة في فرض أي برنامج تقشفي في ظل تنامي مقاومة الجماهير لسياسات الإفقار.
وفي هذا السياق لن تستطع المساعدات المالية الخارجية من قبل بعض الدول العربية من تأجيل يوم حساب الإخوان إلى الأبد فالوقت ينفد منهم.
واقع الحال أن الرئيس وحكومته لا يملكان ترف الوقت، لبدء التعاطي مع التحديات الاقتصادية الصعبة، التي تفرض ذاتها على الأجندة بقوة، فبعد مرور أكثر من عامين على بدء الثورة، يواجه مرسي التوقعات المرتفعة للشارع المصري، والتي يرتفع سقفها باستمرار، في وقت ترتفع فيه نسبة العجز في الموازنة، وتتراجع إيرادات الدولة، بسبب حال التباطؤ الشديد في الاقتصاد. وتكمن المعضلة في كيفية التوفيق بين الحاجة إلى مزيد من الإنفاق من جهة، وضرورة الحفاظ على المؤشرات الكلية، مثل العجز في الموازنة الذي ارتفع للسنة المالية 2012 – 2013 إلى أكثر من 11%.
ويقول تقرير بعثة صندوق النقد الدولي قبل مغادرتها القاهرة، الثلاثاء الماضي وفقا لما نشرته صحيفة المصري اليوم: “إن موقف مصر مازال صعباً ويزداد صعوبة، لأن الاحتياطيات تم استنزافها لتفادى تدهور قيمة العملة. وأصبح اقتصاد البلاد مجهداً تماماً، ولا يحقق نمواً، ومصر في حاجة إلى برنامج لإعادة بناء التوازن الاقتصادي”.
وفي المجمل، تبنت جماعة الإخوان المسلمين، وذراعها السياسي حزب الحرية والعدالة، لهجة تصالحية فيما يتصل بالتعامل مع الجهات، والمؤسسات الاقتصادية الفاعلة الدولية. كما تتبنى برامج اقتصادية مؤيدة للسوق إلى حد كبير، إذ تؤكد على دور القطاع الخاص في تحريك النمو، وعلى ضرورة اجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية. وتتوقع البرامج الاقتصادية، التي يطرحها الإخوان، دوراً كبيراً للمؤسسات الدولية، خاصة صندوق النقد والبنك الدوليين، في مساعدة البلاد على التغلب على التحديات الاقتصادية التي تواجهها.
إن الشباب والعمال والموظفين الذين تدفقوا إلى الشوارع، وخاطروا بحياتهم، لم يعد بوسعهم تقبل ما فرضته أساليب القمع والإفقار، التي انتهجها نظام مبارك. ولقد رأى المتظاهرون في ميدان التحرير، سبب الفقر والبطالة في مصر، في نظامها السياسي القمعي غير المستجيب لمطالب الناس، وحكومته الفاسدة، والافتقار عموماً إلى عدالة الفرص في كافة مجالات الحياة، هذا النظام يجب أن يذهب إلى مزبلة التاريخ.
لا ينبغي لنا أن نتوهم، كما يتوهم الإخوان المسلمين، أبداً، أنه بمرور الوقت سيختفي المتظاهرون، وتخفت حالة التسييس العالية، التي مست معظم شرائح الشعب المصري والتي لا تخطئها العين من تنامي غير مسبوق في الاحتجاجات والإضرابات العمالية. فالثورة لم تخلع حاكماً فاسداً لتجلب مجموعة جديدة، لا تقل فساداً وشراسة وقمعاً. فالظروف الاقتصادية والاجتماعية الظالمة، ستمهد لفعل ثوري جديد، على طريق الإطاحة بالنظام الرأسمالي.. نظام الاستغلال والبؤس والبطالة.\
الاشتراكيون الثوريون





