خذوا دستوركم وارحلوا

 

 

تامر أبو عرب:

”اللهم شتت شملهم وارسل عليهم جنودًا من عندك وأجعلهم عبرة لمن اعتبر”.

هذا ليس دعاء على الصهاينة والأمريكان.. هذا تعليق على شبكة ”نبض الإخوان” على صورة لميدان التحرير في مليونية الثلاثاء الماضي.

الذين نزلوا لم يكونوا يعارضون الشريعة، ولا يريدون إباحة الزنا وشرب الخمر، ولم يعلنوا ارتدادهم وتركهم الملة، لكنهم فقط كانوا يعارضون قرارا سياسيا أصدره الدكتور محمد مرسي لم تكن ضمن بنوده أي مادة تخص الدين، لكن يبدو أن هذه الجريمة تفوق في شريعة الإخوان كل ماسبق.

أستاذ هذا الشخص ومعلمه، هو الذي جلس في الجمعية التأسيسية لوضع دستور يناسب المصريين جميعًا، من يتوافق مع رأيه ومن يخالفه، من يطمح لدولة عالمية يقودها الإخوان ومن هو راضٍ ببلده على ما هي ولا يطمع في أكثر من زيادة قليلة في راتبه، وكانت النتيجة المنطقية أن خرج دستور مختلط يضمن للإخوان بقاءهم في السلطة، وللعسكر استمرارهم في جزيرتهم المنعزلة.

هذا الدستور يناسب جدًا دولتكم التي تسعون لتأسيسها، خذوه واتركوا شعب مصر يضع دستوره.

تفنن قادة الإخوان طوال الأيام الماضية في شحن أنصارهم وشبابهم ضد المتواجدين في التحرير. صوروهم عملاء ومأجورين وفلول وبلطجية وكارهين للدين. أكدوا لهم أن إسلام شهيد الإخوان يختلف تماما عن جيكا شهيد محمد محمود، ولم يكن يبقى إلا أن يقولوا لهم ”شهداؤنا في الجنة وقتلاهم في النار”، إن لم يكونوا قالوا ذلك فعلا في الغرف المغلقة.

يعتقدون أنه كلما زاد كره شبابهم للثوار من خارج الجماعة كلما زاد ولاؤهم للتنظيم وإمساكهم بتلابيبه، ولا يعرفون أنهم بذلك يضعون مصر على عتبات التقسيم والحرب الأهلية، يصوّرون لهم أن حرمة مقراتهم من حرمة المساجد، تستحق أن تراق دماءهم في سبيل حمايتها، ويتناسون أن المقار يمكن إعادة بنائها في اليوم التالي بينما الموتى لا يعودون.

غدا سيخرج الإخوان دفاعا عن إعلانهم الدستوري، وسيملأون حتما الشوارع والميادين، وسيُعجبون طبعا بقدرتهم على الحشد، رغم أن كثرة العدد ليست دليلا على صحة الموقف، ورغم أن الله لم يمتدح في القرآن إلا القلة، ولم تأتي الأكثرية إلا في مواطن الكفر والنفاق.

سننسى كل ذلك ونسأل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد: ماذا تبقى في الإعلان الدستوري ليخرج الإخوان دفاعا عنه الآن؟ كان في الإعلان نقطتان إيجابيتان حاولت الرئاسة تمريره من خلالهما، الأولى إقالة النائب العام والثانية إعادة محاكمات قتلة الثوار.

أما الأولى فحسمها الدكتور ياسر علي بالتأكيد أن تحصين القرارات يشمل القرارات السيادية فقط، والتي أجمع القانونيون أنها ليس من بينها إقالة النائب العام، وأما الثانية فحسمتها الرئاسة عندما قالت إن إعادة المحاكمات مشروطة بظهور أدلة جديدة ضد المتهمين، وهو أمر موجود في الدستور أساسا ولا تحتاج لصدور إعلان دستوري.

فهل تخرجون الآن فقط لتأييد تحصين قرارات الرئيس؟

لا تستغرب من هذه الطاعة العمياء والاقتناع الكامل بكل ما يقوله قادة الإخوان، فالطريقة التي يتربى بها الإخواني داخل التنظيم تجعله لا يملك خيارًا ثانيًا.

أولا: الإخوان مجتمع منغلق على ذاته

يعتقد الإخوان أنهم شعب الله المختار، لم تكن زلة لسان عندما قال صبحي صالح إنه لا يجب أن يتزوج زواج شاب إخواني من فتاة ليست من ”الأخوات”، حتى لو كان هذا ”الفلوطة” يرى أن الفتاة التي يريد أن يتزوجها من خارج التنظيم ”كويسة ومتدينة”، بل إنه منهج تسير عليه الجماعة منذ القدام، فزواج الإخواني من الإخوانية يعني أن جميع أبنائهما سيتربون في حضن التنظيم ويستقون مبادئه وأهدافه منذ الصغر، ليصبح طاعة الإخوان من طاعة الوالدين التي تأتي بعد الإيمان بالله مباشرة.

يتحول الإخوان من جيل إلى جيل لمجتمع قبَلي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، تحكمه قوانينه العرفية، ويتعصب أفراده إليه تعصب الجاهلية الأولى، مجتمع الإخوان بالنسبة لهم هو الدين والوطن معا، تذوب الأوطان والقوميات أمامه، ويستقر في نفس منهم أن فهم الإخوان للإسلام هو الفهم الصحيح، وما دونه إما إفراط أو تفريط.

ثانيا: الجلسات التربوية

يذهب شباب الإخوان إلى الجلسات التربوية أسبوعيًا كل في شعبته، يدخلون إليها بكثير من الرواسب، يجلسون أمام معلمهم لبعض الوقت، يقرأون في كتب قيادات الجماعة ومرجعياتها، ثم يخرجون وقد غسلوا كل ما في أدمغتهم من رواسب تركتها الأحداث التي تلت الجلسة السابقة، ويتركون المكان وهم أكثر اقتاعا في كل مرة بأن جماعتهم وفكرهم هما الأصح وما دونه إما سوء فهم أو عمالة صرفة.

إذا أردت أن تفهم نفسية الإخوان، وتسأل نفسك كثيرا كيف لا يرون الأمور واضحة كما تراها أنت، ويشبعونك جدالا في أمور أكثر بديهية من خروج الشمس من المشرق، ثم يتركونك ولم يغير فيهم حديثك قيد أنملة، فحاول أن تحضر إحدى هذه الجلسات، التي لا يتهاون الإخوان مع من يتخلف عنها، وقد يتم فصل العضو من الجماعة نهائيا إذا تغيب عن الجلسات لعدة أسابيع، وعندها ستعرف كيف يدافعون بكل أريحية عن شخص مثل الدكتور العريان عصام، وكيف يعتبرون خلف كل حركة يد لخيرت الشاطر مغزى حكيم لا يعرفه إلاهو!

ثالثا: الاعتقال

الإخوان المسلمون أبناء هذا الواقع الذي شوّهنا جميعنا على اختلاف درجات التشويه وشكله، ولسبب ما وفي ظل ظروف ما تحول الاعتقال من وسيلة إلى غاية عند أبناء الجماعة، صارت المدد التي قضاها كل منهم خلف الأسوار وبين المحاكم والنيابات معيارا للمفاضلة بينهم .

في المعتقلات لا تثق في أحد إلا فيمن هو مثلك تماما، وكلما اختفى شعاع الشمس كلما زادت الروابط بين الأفراد والتنظيم، والأفراد بعضهم البعض، وستحتاج الجماعة لأجيال، إن كُتب لها الاستمرار، حتى تتخلص آثار هذا المرض، الذي انتقل بالحكي إلى أعضاء بالجماعة لم يدخلوا السجن ولو ساعة.

 

 

مصراوى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى