الانفصال عن الواقع

 

26

نجحت الدولة المصرية بمؤسساتها الأمنية والقضائية فى إفشال كل مخططات جماعة الإخوان لمنع مثول الرئيس المعزول محمد مرسى أمام القضاء، كما نجحت فى إحباط المخطط الطفولى لإفشال جلسة المحاكمة، وواصل مرسى أداء دور الرئيس الشرعى فرفض ارتداء الملابس الخاصة بالمحاكمة، وقال كل ما يمكنه قوله من أنه الرئيس المنتخَب، وتصرف رفاقه فى القفص، من بلتاجى إلى عريان، تصرفات صبيانية لا تليق بمن كانوا فى موقع المسؤولية فى الماضى القريب، تصرفات طفولية تجيدها جماعات النشطاء صغيرى السن حديثى العهد بالعمل السياسى. رتَّبوا لخروج مظاهرات ضخمة تشلّ البلد على نحو كامل، وبالفعل خشى البعض من الفوضى المتوقعة فقرر الكثير من المدارس تعطيل الدراسة فى يوم المحاكمة، وهناك من قرر البقاء فى منزله لأن القاهرة ستشهد فوضى عامة فى ذلك اليوم. وبدأت وقائع المحاكمة، ونجح القاضى فى التعامل مع فوضى مرسى والجماعة بقدر كبير من الهدوء، إذ تجاوز موقف الزِّىّ رغم أهميته الرمزية، ولم يُستدرَج لخطة الجماعة التى كانت ترمى إلى إثارة المشكلات وعدم استكمال الجلسة، وواصل القاضى عمله، وتجاوز تطاوُل رفاق مرسى فى القفص، وكان بمقدوره الحكم عليهم بالسجن لمدد محددة نتيجة إهانة المحكمة وإثارة الفوضى، لكنه تغاضى عن كل ذلك ووصل إلى نهاية الجلسة بتأجيلها إلى الثامن من نياير العام القادم، وإيداع مرسى سجن «برج العرب». هناك سيعامل مرسى معاملة المحبوس، لا مجال أمامه لرفض ارتداء ملابس الحبس، وفى نفس الوقت قالت الجهات الأمنية المسؤولة إن مرسى أُودع غرفة تليق برئيس سابق للبلاد.

نعود إلى ما فعله أنصار الجماعة فى القاهرة، وهنا نقول إن الأجهزة الأمنية المصرية من قوات الجيش والشرطة نجحت فى تأمين القاهرة والمحافظات فى يوم المحاكمة، فلم يحدث ما توقعه البعض من فوضى شاملة أو مواجهات دموية بين قوات الأمن وأنصار الجماعة. غاية ما فعله أنصار الجماعة كان خروج عدد محدود من المسيرات، منها من كان يهتف ومنها من ذهب لمحاصرة المحكمة الدستورية بكورنيش المعادى، ومنها من واصل الكتابة على الجدران، ليس أكثر من ذلك، ومثلما نجح القاضى فى إفشال مخطط الجماعة بإفساد جلسة المحاكمة، نجحت قوات الأمن فى إحباط مخطط الجماعة لإثارة الفوضى فى البلاد، وإذا كان الفضل يرجع إلى التنسيق بين الجيش والشرطة، فإن الجماعة يبدو أنها فقدت قدرتها على الحشد الضخم، وتقلصت قدرتها على الحشد بالفعل وهو ما كنا نلاحظه على مدار الأسابيع الماضية بعد أن باتت مظاهرات الجماعة مقصورة على تسيير أربع أو خمس مسيرات تحتوى أكبرها على بضع مئات من المتظاهرين الذين يخرجون بعد صلاة الجمعة من كل أسبوع لإثبات الوجود، مع ملاحظة أن غالبية المتظاهرين من الشباب صغير السن الذى لا ينتمى إلى الجماعة ومن سيدات بعض المناطق على أطراف القاهرة.

عموما ما شهدته جلسة المحاكمة الأولى لمرسى وشوارع القاهرة والمحافظات فى ذلك اليوم وتأجيل الجلسة الثانية أكثر من شهرين، كل ذلك يقول إن مؤسسات الدولة المصرية قد استعادت عافيتها وبدأت تعمل على نحو جيد. فى المقابل كشفت أحداث الأسابيع الماضية عن تراجع كبير فى قدرات الجماعة على الحشد والتعبئة، وكشفت فى نفس الوقت عن استمرار الجماعة فى الانفصال عن الواقع تماما، فما يقوله مرسى ويسعى إلى الترويج له، وما يصدر من تصريحات عن قادة الجماعة من داخل السجون وخارجها يؤكد أن الجماعة ترفض رؤية الواقع كما هو، تصر على الحياة فى عالمها الخاص بها، عالم صنعته من خيالها وأرادت أن تفرضه على الواقع، وعندما رفضه الواقع أصرّت على العيش فى ظلال عالمها الخاص فواصلت ارتكاب الأخطاء التى وصلت إلى حد الخطايا، وتوهمت أنه بمقدروها شن حرب على الدولة المصرية وفرض إرادتها على الدولة، وهو وهم آخر من صنع خيال الجماعة، ورغم الأخطاء والخطايا المتواصلة لم تتوقف الجماعة عن مواصلة عمل وفق رؤية ثبت بالقطع عدم سلامتها بل أدت إلى الزج بقيادات الجماعة فى السجون، فلا القيادات القابعة فى السجون راجعت نفسها، ولا من يعيش حرًّا خارج السجون تأمَّل ما يجرى وطلب إعادة النظر فيه. إنه الانفصال التام عن الواقع، لذلك ستواصل الجماعة مسلسل الخسائر وسوف تخسر كل يوم حصة مما قد يكون متبقيا لدى قطاع من المصريين من قدر محدود من التعاطف مع الفكرة لا الجماعة.

 

التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى