سكان المقابر في رمضان .. حياة بطعم الموت

 

100

 

جدران من الطوب اللبن منخفضة الارتفاع تعلوها لافتات من الرخام مدون عليها أسماء عائلات المتوفين بداخلها، كلاب ضالة لا ينقطع نباحها عن كل من يقترب من البوابة الحديدية الصغيرة التى تنغلق عليهم، أثاث قديم تظهر آثار تعامد الشمس عليه، وأطفال صغار لا يجدون حرجاً فى مد أيديهم إلى كل شخص يتقابلون معه داخل مقابر الغفير والمجاورين.

«أفراح رمضان ما بتوصلناش لأننا معزولين عن الناس اللى برة».

تضيف سوسن عبدالحميد، 47 سنة، من سكان مقابر الغفير: «سكان المقابر أقرب إلى الأموات منهم إلى الأحياء، لأن كل أسرة تعيش فى حوش منفصل يبعد مسافة طويلة عن جيرانها»، يعنى الأموات أقرب إليهم.

رأى «سوسن» -التى تعول أسرة مكونة من سبعة أفراد بعد وفاة زوجها- فى الأمور السياسية المحيطة لها يتلخص فى بضع كلمات قليلة, حيث تقول: «إحنا طول عمرنا فى حالنا، وبالرغم من كده الظلم بتاع الناس الكبار بيلاحقنا»، ثم تستشهد بالوعود الكثيرة التى وعدتهم بها الأنظمة والحكومات المتعاقبة، ولكنهم سرعان ما يكتشفون أنها حملات إعلامية بهدف الحصول على أصواتهم الانتخابية، ثم سرعان ما تنقطع تلك الوعود بانتهاء موسم الانتخابات.

بضعة أمتار من الزينة الورقية قام بعض الأطفال من سكان مقابر الغفير بوضعها على الأحواش التى يسكنون بها، بجوار عدد من الفوانيس «الصفيح»، بالإضافة إلى فرع صغير من اللمبات الكهربائية الملونة التى تم رفعها على أحد المساجد الصغيرة القريبة من المجمع السكانى.

«طقوس سكان مقابر الغفير فى رمضان تختلف عن غيرهم، لأنه بالنسبة لهم موسم للطعام والشراب الذى يأتى إليهم بكثرة من زوار المقابر، بالإضافة إلى أن البعض يعتبره فرصة كبيرة لتحسين دخله عن طريق متابعة أهالى المتوفين وطلب الصدقة منهم»، لا يجد الشيخ مؤمن، إمام أحد المساجد الموجودة وسط المقابر، حرجاً من التوجّه إلى القبلة والدعاء على السياسيين والمسئولين الذين يرون ويسمعون أوضاع الآلاف الذين يعيشون وسط الأموات دون أن يتقدموا إليهم بيد المساعدة لإنقاذهم مما هم فيه.

حالة من الهدوء تسيطر على أحواش سكان مقابر المجاورين بمنطقة الدراسة، يتخللها بعض أصوات الأطفال الذين استيقظوا من نومهم مبكراً لاستقبال زوار المقابر فى أول أيام شهر رمضان.

سيدة أربعينية تتولى مهام توزيعهم كل فى مكانه، وهى تحثُّهم على عدم ترك أماكنهم والذهاب إلى مكان آخر «علشان ربنا يرزقهم»، ترفض ذكر اسمها، وإن كانت لا تجد حرجاً فى عرض شكواها -ومعها كل سكان مقابر المجاورين- من حالة الفقر المدقع الذى يعيشون فيه -على حد وصفها- دون أن يجدوا يد العون التى تمكّنهم من العيش فى حياة كريمة تحفظ لهم آدميتهم، حيث تقول: «عندى خمسة أولاد، وجوزى رجله اليمين مقطوعة ومالناش جنيه واحد مرتب، يبقى إيه الحل علشان نعيش وناكل ونشرب زى مخاليق ربنا»، طقوس رمضان لدى أسرتها لا تختلف مطلقاً عن باقى الشهور، حيث تقول: «واحنا اللى زى حالاتنا هتفرق معاه رمضان من غيره فى إيه.. أهى كلها أيام وبتتعاش».

لم يختلف الوضع كثيراً لدى أميمة، 35 سنة، عن سابقتها، حيث اشتكت من الظروف المعيشية الصعبة التى تتعرّض لها أسرتها خصوصاً مع استقبال شهر رمضان، حيث تقول: «ظروفنا صعبة واللى جاى على قد اللى رايح بالعافية والعيال بيشوفوا الفوانيس وحاجات رمضان فى التليفزيون وبييجوا يقولوا عاوزين زيها»، الأمر الذى يضعها وزوجها محمد كمال الذى يعمل فى إحدى المطابع بشارع رمسيس فى مأزق، بسبب عدم قدرتهم على توفير احتياجات أبنائهم الثلاثة.

 

الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى