لأسباب اجتماعية ذاتية.. دعاية انتخابية لمرشحات خالية من صورهن

عمان– يُرجع مختصون وناشطون في مجال حقوق المرأة، أسباب عزوف بعض المرشحات عن وضْع صورهن على يافطات الدعاية الانتخابية، لمفاهيم اجتماعية وعادات وتقاليد، ولأنماط تنشئة أسرية واجتماعية، تحظر و”تعيب” استخدام الصور ونشرها في الشوارع.
ويعتبر هؤلاء المختصون والناشطون أن عدم وضع المرشحات صورهن يُضعف من مواقفهن، ولا يساعدهن في تعزيز ثقتهن بأنفسهن، ويقلل من مصداقيتهنّ، لافتين إلى أن نشر الصور مع شعاراتهن يدعم ويقوي أقوالهن ومواقفهن، ويساعد في تكوين نظرة إيجابية عنهن لدى الناخبين.
ووصل إجمالي عدد السيدات المرشحات للانتخابات 213 مرشحة، تخوض منهن (84) سيدة الانتخابات على القوائم الوطنية، و(129) سيدة على قوائم الدوائر المحلية. ورغم ذلك ما تزال كثير من النساء المترشحات في المحافظات خصوصا، لا يحبّذن إرفاق صورهنّ بشعارات الحملة.
وتعتبر المحامية وأمينة سر اللجنة الوطنية، أسمى خضر، أنه رغم المبالغة التي تحدث في الدعاية الانتخابية، من نشر للصور، خصوصا من قبل الرجال، إلا أنه من الضروري جداً أن ترتبط صورة المرأة بشخصيتها، وبالشعارات الخاصة بها، المكتوبة على اليافطات، لكن من دون المبالغة أو الغلو والإسراف في ذلك.
وترى خضر أنه لا بد من أن يتعرّف الرأي العام عليها، شخصياًَ، وأن يربط بين اسمها وصورتها؛ لأنه من غير الملائم، ومن غير المعقول أن تنزل المرشحة من دون ربْطٍ واضح وصريح يربط اسمها بصورتها، تعريفا بشخصيتها وشعاراتها.
وتوافقها الرأيَ أمين سر تجمع لجان المرأة، مي أبوالسمن، التي تقول إن بعض المترشحات يُحجمن عن وضْع صورهن في الحملات الانتخابية، والسبب في ذلك يعود إلى المفاهيم الاجتماعية الخاطئة، والعادات والتقاليد الزائفة التي تحظر استخدام الصور، حتى لا يتم النظر إليها -من زاوية هذه المفاهيم الخاطئة- نظرة استهزاء وازدراء، تؤدي إلى إضعاف موقفها.
وترى ميْ في السياق ذاته، أن ذلك “يمكن أن يحسب كنقطة ضعف على المترشحة”، لأنه يُفترض مبدئيا، أن تنزل هذه المرشحة بقوة وثقة كاملة، والصورة هي التي تُسهم حقا في تثبيت موقفها الانتخابي، وتكرس منافستها الانتخابية.
وتضيف أن الصورة قد تسهم في تكوين فكرة إيجابية عن المترشحة في أذهان المنتخبين، ولأن الصورة مرآة أيضا لشخصية المرشحة، لأنها تعكس بشكل من الأشكال، بما تحمله من إيحاءات نفسية، عن شخصية المرشحة الحقيقية.
أما إحجام المرشحة عن عرْض صورتها في حملة الانتخاب، فإنه لا يصب في مصلحتها، بأي حال من الأحوال، بل يشكل نقطة ضعف في موقفها، لأنّ للصورة تأثيرا طبيعيا على الناس، فلا غنى عنها، وتعكس جزءا لا يُستهان به من ملامح الشخص الذي سيختاره الناخب، ولذلك فتأثيرها “النفسي” عليه قائم وفاعلٌ بلا شك، وغيابُها يعني في رأي الناخب أنه يتعامل مع “مجهول”، حتى وإن عُرف اسمُه وعنوانه، ومواقفه.
وتشير أبوالسمن إلى أننا في “زمن نؤمن فيه بالديمقراطية، والمساواة، إلا أن ما يحدث منافٍ لذلك تماماً”، لافتة إلى أنه لا بد من تكريس وجود المرأة في البرلمان، وتشجيعها على ذلك، ولا بد من الوقوف موقفا جادا يدعم هذا الموقف ولا يُضعفه.
وتفضل المرشحة هيا مفلح عدم نشر صورها على يافطات الدعاية الانتخابية، والسبب في ذلك، في رأيها، أن “التعبير بالكلام أبلغ من الصور”، فهو أكثر تأثيرا ومصداقية، مُبينةً أنه “لا داعي للصور، لأنها لا تعبّر عن حقيقة الشخص بأي حال من الأحوال”.
وتعتبر مفلح أن الكلام مُعبّر أكثر من الصور بكثير، وترى أنه في حال إنزال صورتها فسيكون ذلك “قبل الانتخابات بأسبوع واحد، فقط من أجل الأشخاص الأميين الذين لا يعرفون القراءة”.
في حين ترى المرشحة بثينة الزعبي، التي فضلت نشر صورها من خلال الدعايات الانتخابية، أنّ الصورة هي التي تُعرف بالمترشحة، شخصياً، لأنّ الاكتفاء بالاسم وحده “غير كاف” للتعريف بها، ولذلك لابد من تدعيمه بالصورة.
وترى أن بعض المترشحات يرفضن إنزال صورهن، ربما “لأسباب عشائرية، أو لأسباب ذاتية، كعدم الرغبة في رؤية صورهن منشورة في الشارع”، مبينةً أن الصورة في أحيان كثيرة تكون “مُعبّرة حقا عن شخصية صاحبها، وإلى حدّ بعيد، وهي تؤثر في الناس لا محالة”.
وفي ذلك، يرى الاختصاصي النفسي د.محمد حباشنة، أن هناك تغيرا اجتماعيا إيجابيا متدرجا، لكن هناك “بقايا أصولية وقبلية، تحدّ من قدرة المرأة في أن تكون مُتكافئة مع الرجل، في كثير من نواحي الحياة”.
ويعتبر الحباشنة أنه ما تزال هناك مناطق تنظر لصورة المرأة نظرة سلبية، مبينا أنه لا بد من تحقيق التوافق “الجندري” بين الذكر والأنثى، إلا أن هناك معايير سارية ما تزال تقمع الأنثى، وتصدّها عن القيام بدورها الطبيعي في المجتمع.
ويضيف أن هناك بعض السيدات يتعاملن مع الواقع بشكل طبيعي، وقد صرن يتأقلمن شيئا فشيئا مع هذا الواقع ومتطلباته، لكن الأسلوب المتبع في هذا التأقلم يعبّر أحياناً عن ذكاء اجتماعي لدى المرأة، تُحرّكه رغبتها في أن تصل بشكل تدريجي إلى أهدافها، من دون أن تصطدم بأحد، ومن دون أن تعادي أو تخسر من هُم حولها، بسبب صورة.
ويرى الاختصاصي الاجتماعي د.حسين محادين، أن أفكار المرأة وقناعاتها ليست وليدة اللحظة، مبينا أن الفتاة تتشرب أنماط التنمية الاجتماعية في بيت أهلها، من جهة، ومن نظرة المجتمع إليها، من جهة ثانية. لكنها أحيانا أنماط لا تعزز ثقة الفتاة بذاتها، ولا تشجعها على بناء هوية متوازنة، تقارب أو تساوي الهوية التي تضعها العائلة والمجتمع في الابن الذكر.
وبالتالي، فإن هذا النوع من التنشئة، الرافضة لتطور المرأة، ينتقل من الأسرة إلى المؤسسات، بما فيها المؤسسات الانتخابية، وهو الأمر الذي تجسده المرشحات اللواتي يعشن في حالة من الصراع الداخلي، بين ثقتهن بأنفسهن، وجمالهن أحياناً، وبين عدم قدرتهن على تحمل آراء الآخرين، إزاء صورهن التي تظهر أثناء الحملة الانتخابية، في وسائل الإعلام البصرية، والبروشورات الدعائية.
ويشير محادين إلى أن رفض بعض المرشحات نشْر صورهن يؤكد أن هناك مسافة ذهبية مرتبكة، بين رغبتهن في الترشح، كشخصيات عامة يعرفها الناخبون، شكلا ومضمونا، وتمسكهنّ بأنماط التنشئة التي تشدُّهن إلى الانزواء.
إلى جانب أن هناك خشية -ضمنية- من الاستخدامات الخاطئة للصور عبر وسائل التكنولوجيا؛ إذ من السهل على المغرضين، إعادة تشكيل صورة الأنثى، بشكل يُسيء إلى كرامتها، وإنسانيتها، وهو ما يشكل عامل تردّد عند شريحة واسعة من النساء.
الغد





