هااااااام الإغلاق الحكومى يكشف قدرات أوباما الضعيفة

المواجهة الساخنة حول إقرار الميزانية مستمرة وتدخل أسبوعها الثانى. ويبدو أن إنهاء الإغلاق الحكومى أصبح أمرًا صعب المنال ما دام أن كل طرف ليس على استعداد بأن يقدّم تنازلات أو أن يتراجع عن موقفه المتشدد. تُرى كيف سيخرج الرئيس أوباما من هذا المأزق السياسى والاقتصادى والمالى؟ فاستمرار الإغلاق مهما كانت الأسباب والمبررات ومهما كان اللوم أو الاتهام الموجه إلى رئيس مجلس النواب الجمهورى جون بينر، فإن الأزمة «محسوبة» على أوباما و«تحدث فى عهده» وهذا يكفى للتشكيك فى قدرته و«حنكته» على إيجاد مخرج للأزمة التى أصبحت تخيّم على الأجواء وتهيمن على قائمة هموم الأمريكى على امتداد الولايات المتحدة.
وفى «انفراجة» فاجأت أهل واشنطن، أعلن تشاك هيجل وزير الدفاع الأمريكى، يوم أول من أمس «السبت»، أن البنتاجون ستقوم باستدعاء غالبية المدنيين العاملين بوزارة الدفاع للعودة لوظائفهم المعتادة بدءًا من اليوم الإثنين. ويقدر عددهم بنحو 350 ألفًا. وهذه الخطوة قد تسهم فى تخفيف تأثير الإغلاق الحكومى على موظفى الحكومة. وحسب ما ذكرت «واشنطن بوست»، فإن قرار هيجل جاء بناء على مشروع قرار وافق عليه الكونجرس الأسبوع الماضى ووقّع عليه الرئيس أوباما، يضمن للعسكريين عدم تأخر وصول مستحاقتهم المالية بسبب الإغلاق وأيضًا يضمن عدم الاستغناء عن المدنيين إذا كانت مهامهم مرتبطة مباشرة بدعم العسكرية. والمعروف أن عدد المدنيين العاملين فى البنتاجون يصل إلى نحو 700 ألف. وأن 86 فى المئة من المدنيين بالوزارة يعملون خارج منطقة واشنطن. وقال أحد المسؤولين بوزارة الدفاع إن عملية المراجعة والتقييم للموظفين المدنيين تتم حاليًا لتحديد المستفيدين من هذا القرار. كما أن قرار هيجل قد تكون له نتائج إيجابية أيضًا على الآلاف من المتعاقدين الخاصين الذين يعملون مع وزارة الدفاع، وكانوا قد واجهوا التهديد بالتسريح بسبب الأزمة الأخيرة.
وكانت شركة «لوكهيد مارتن» لصناعة القاذفات، ومنها «إف 16» قد أعلنت يوم الجمعة الماضى، أنها ستبدأ مع هذا الأسبوع تسريح نحو 3 آلاف من العاملين بها. كما ذكرت أيضًا أنه من المتوقع أن يزيد عددهم إذا طال أمد الإغلاق ولم يتم حل الأزمة الحالية. وقد بلغت قيمة تعاقدات «لوكهيد» مع الحكومة الفيدرالية فى عام 2012 نحو 39 مليار دولار. وهذا الرقم يمثّل أكثر من 80 فى المئة من ناتج دخل الشركة.
ولا يختلف أغلب المراقبين حول مدى تأثير هذه الأزمة الأمريكية الحالية على مصداقية أمريكا وصورتها أمام شعوب العالم. وجاء إعلان البيت الأبيض بإلغاء جولة أوباما الآسيوية لتزيد الأمور تعقيدًا و«الطين بلة»، وتبدو أمريكا أكثر «انكبابًا» و«تورطًا» فى همومها الداخلية وأقل قدرة للوجود والتفاعل مع قضايا العالم. لذلك نجد أن أحد مستشارى أوباما السابقين فى شؤون الشرق الأوسط وهو دينيس روس ينصح الرئيس بأن يواجه بل يتصدّى للاعتقاد السائد والمنتشر فى الخارج بأن «الأمريكيين قد أصابهم السأم ولديهم الحذر من الدخول فى التشابكات الدولية وأن النظام السياسى الأمريكى غير قادر على معالجة المشكلات الكبرى»
استمرار الإغلاق الحكومى وتباين التفسيرات وتناقض التحليلات المرتبطة به بالتأكيد زادت من حيرة المواطن الأمريكى وأيضًا غضبه تجاه ما يحدث حوله. وهذه الحيرة وهذا التعجب مما يحدث فى أمريكا انعكسا فى العالم أيضًا وبالتأكيد المواطن المصرى يسأل مثلما يسأل مواطنو أغلب الشعوب، تُرى ماذا يحدث فى أمريكا التى بالكاد بدأت تستعيد عافيتها مما أصابها من جراء الانهيار المالى الذى اجتاح البلاد والعالم منذ عام 2008. لذلك يجب القول إن ما حدث وما يحدث فى الأيام الأخيرة ليس إفلاسًا ماليًّا تعيشه الحكومة الأمريكية أو تعبير آخر تفتقد الأموال التى تصرفها على العاملين بها. بل ما يحدث هو عدم قدرة الحكومة على صرف الأموال المخصصة لها، لأن الكونجرس لم يوافق على ولم يعتمد الميزانية المقررة من الإدارة لإدارة آليات الحكومة وأجهزتها. وذلك حسب ما يقوله الدستور. ويتم شرح هذا الأمر بالقول بما أن الأموال المصروفة على الحكومة وموظفيها هى أموال الشعب، فبالتالى على أعضاء الكونجرس، أى ممثلى الشعب المنتخبين من قبل المواطنين (وفى توصيف آخر هم الناخبون ودافعو الضرائب)، أن يوافقوا على الميزانية الخاصة بالحكومة (السلطة التنفيذية) وطريقة صرفها. لهذا نجد فى المواجهة الحالية أن رجال الكونجرس يتلاعبون بمصير الميزانية، وما دامت الأغلبية الجمهورية فى مجلس النواب لا تريد أن يتم تمويل برنامج الرعاية الصحية الذى تم إقراره من قبل، فإن هذه الأغلبية، خصوصًا المتشددين منها (نحو 80 من أعضائها)، قرروا وقف تمويل البرنامج ولا يريدون إقرار الميزانية إلا إذا تم التغاضى عن أو إقصاء الجزء الخاص بتمويل برنامج الرعاية الصحية (أوباما / كير).
وحسب ما ذكر فى تقرير أعدته «نيويورك تايمز»، فإن كلفة الإغلاق الجزئى على الاقتصاد الأمريكى تُقدر بـ12.5 مليون دولار فى الساعة و300 مليون دولار فى اليوم و1.6 مليار دولار فى الأسبوع. وقد أدّى الإغلاق الجزئى للحكومة إلى أن تستغنى أغلب الإدارات وأجهزة الدولة عن الكثير من العاملين بها، وقُدّر الرقم الأولى بـ800 ألف شخص. هذا بالإضافة إلى مواصلة نحو 1.3 مليون موظف حكومى أعمالهم، نظرًا إلى طبيعة مهامهم وضرورة استمرارهم فى أدائها دون تقاضى مرتباتهم. مثلما هو الأمر كما اتضح منذ أيام مع رجال أمن الكونجرس. ويتوقع المراقبون للوضع الحالى أنه إذا استمرت هذه المواجهة قد تتأخر المعاشات التى يتقاضاها نحو 3.6 مليون من قدامى الحروب.
ولا شك أن الإدارة وأنصارها تصف الحالة الراهنة بأنها «تشبه عملية اختطاف واحتجاز للرهائن وابتزاز للموقف»، ومن ثَم مثلما قال وكرر الرئيس أوباما وهو يتحدّث عن الإدارة وأحيانًا عن موظفى الحكومة، ذكر «بأننا لن نكون رهينة» لابتزاز المتطرفين من الجمهوريين، وبالتالى «لسنا على استعداد لكى ندفع الفدية المطلوبة» و«لن نأخذ قرارًا والمسدس مصوّب إلى رؤوسنا».
كما أن أوباما فى لقاءاته ومحاولات شرحه للموقف المتردى وغير المقبول يقول «كوننا لا ندفع الفواتير التى علينا دفعها لا يعنى أننا بذلك نوفّر أموالًا»، ويشرح المراقبون المنتقدون ألاعيب الكونجرس بأن هذا ببساطة يعنى أننا لا نواجه مسؤوليتنا ولا نتحمل الأعباء ولسنا على استعداد لدفع ثمن وتكلفة أعمالنا وأخطائنا والخدمات التى نحصل عليها.
فى الجبهة المقابلة، تحاول قيادات مجلس النواب من الجمهوريين أن تقدّم ما يمكن وصفه بحلول جزئية أو تخصيص أموال لهذا الجزء أو الآخر من الميزانية، على أساس أنها لا تريد أن تظهر بأنها تعطل مصالح الشعب أو أنها تريد أن تظهر وكأنها تسعى لفك الأزمة التى دفعت بها الإدارة (كما يقولون) وفرضتها على الحياة العامة. والبعض من تلك القيادات الجمهورية وشبكة «فوكس نيوز» معها تهلّل للمصيبة التى حلّت بالبلاد، بسبب سوء إدارة الرئيس وتضخّم حجم حكومته، وهى تذكر وتكرر الإشارة إلى ما حدث من منع (حسب وصفها) لقدامى المشاركين فى الحرب العالمية الثانية من زيارة النصب التذكارى المخصص لهم. كما لم تتوقف عن التنويه بأن إدارة أوباما بإغلاقها زيارة تمثال الحرية فى نيويورك (ويا للهول) لا تسمح ولا تريد لزوار نيويورك وسكانها أن يزوروا التمثال الرمز والاعتزاز والحرية فى بلاد الأمريكان!! بل وتمادت «فوكس نيوز» فى مهاجمة أوباما، إذ انتقدت بشدة إحدى المذيعات أوباما، يوم أول من أمس السبت، ذاكرة أنه بينما يتم غلق النصب التذكارى للحرب العالمية الثانية، فإن أوباما «تبرّع من جيبه الخاص لمتحف الثقافة الإسلامية»، واتضح فى ما بعد وفى اليوم نفسه، حسب ما كشفه «ميديا ماترز فور أمريكا» الموقع الإلكترونى الخاص بمراقبة وتقييم مضمون وسائل الإعلام، أن هذه الإشارة منقولة عن موقع إخبارى ساخر ينشر الأخبار الخيالية والمختلقة، اسمه «ناشيونال ريبورت». فى وصف الحالة التى تعيشها واشنطن «لا أحد سيخرج من هذه الأزمة رابحًا»، قالها أوباما وقالها آخرون.. وبالطبع ستكشف الأيام المقبلة مَن سيدفع الثمن الفادح!
التحرير






