
حدث أن وقع خلاف بين بعض الجيران في قريتنا مؤخرا، حول حدود أراض زراعية. تعقدت المشكلة وبدا أن حلها ربما يكون أكثر صعوبة من حل الأزمة الحدودية بين الهند وباكستان عند إقليم كشمير. تدخل البعض للصلح، واتفقوا مع كبيري العائلتين على بعض بنود الحل ومراعاة مصالح كل الأطراف. غير أنه في اللحظة الأخيرة، نقض أحد الطرفين العهد. جاء كبيرهم إلى مجلس الصلح وهو منكس الرأس، والدموع تكاد تترقرق من عينيه: «مش عارف أقول إيه وأتصرف إزاي.. أولاد أخويا رفضوا الاتفاق.. ما بقوش يسمعوا كلامي.. الدنيا حصل فيها إيه؟».
الغالبية استنكرت رده، واتهموه بالضعف. لكني تعاطفت مع الرجل. فلو كان ما سبق واتفق يضر بمصالح أقاربه، لالتمست لهم العذر في عدم الانصياع له، لكن المفارقة أنه راعى التقاليد الريفية الجميلة ورضا الجميع، فهو صاحب خبرة كبيرة في مثل هذه الأمور، ويعرف الأصول ويعطي كل إنسان قدره.
الحقيقة أن تصرفهم طبيعي جدا وسط الظروف التي تعيشها مصر، وفي ظل ما تعرضه وسائل الإعلام. إنهم يطمعون بلا حق ولا منطق في مساحة من أرض جيرانهم. يطبقون المنهج السائد حاليا للحصول على غير الحقوق: «البلطجة». عندما يسمعون كل يوم عن من يقطعون الطرق للمطالبة بأمور ليست قانونية.. لما يرون الإعلام المضلل يحتفي بمن يطلق قنابل المولوتوف على قصر الرئاسة، ويسميهم ثوارا.. حينما يشاهدون المدعو وائل الإبراشي يستضيف عناصر من مجموعة «البلاك بلوك» الإرهابية التي تعترف علنا بأنها وراء حرق مقرات جماعة الإخوان المسلمين، وأنها تؤمن بأن إبعاد الرئيس المنتخب عن السلطة لن يكون إلا بالدم.. ماذا سيكون رد فعل شباب جاهل أحمق، ومن تعلم منهم تخرج في مدارس وجامعات تضخ سنويا مئات الآلاف من أشباه الأميين؟
هل طمع هؤلاء الجيران في شيء ليس من حقهم، يختلف عن طمع أعضاء جبهة خراب مصر في كرسي السلطة، الذي خسروه في أول انتخابات حقيقية وحرة تشهدها أم الدنيا.. هل بلطجة شاب وتعديه على جيرانه، تختلف عن بلطجة حمدين صباحي الذي يبرر يوميا تصرفات الغوغاء الذين يحاصرون القصر الرئاسي؟!
من أكثر مساوئ جبهة الخراب والإعلام الفاسد، أصحاب المصالح المشتركة ضد السلطة الشرعية، أنهم أخرجوا أسوأ ما في المتأثرين بهم وهو نقيصة الشر. أي إنسان يحمل بداخله الخير والشر. كل جانب يظهر عندما يجد الظروف المواتية له. الجبهة المخربة وإعلام التحريض، جعلوا سيرة المصريين على كل لسان. صورونا جميعا كأننا قوم من البلطجية، بتأكيدهم أن الشارع معهم. قلوبهم الحاقدة المستعرة غلاً على رئيس متدين عالم في مجاله، بينما أغلبهم من الأميين المراهقين فكريا وسياسيا، جعلتهم ينشرون الغل في نفوس أنصارهم. أصبحوا يتباهون علنا بالعنف والإرهاب. «الجزيرة مباشر مصر» استضافت أحد هؤلاء المناصرين.
قال على الملأ إنهم سيواصلون العنف حتى يرحل محمد مرسي. ممدوح حمزة الرمز البارز في شلة المخربين، أكد دون خجل أنه من حق المعتصمين أمام القصر الرئاسي الحصول على أموال مقابل اعتصامهم.
إذن هم ليسوا أصحاب قضية كما يزعمون، بل أنفار بـ «الأجرة». أحد المهاجمين للقصر الجمهوري حولوه إلى بطل، بعد سحله على أيدي بعض جنود الشرطة. البطل الصنديد اعترف -في مداخلة تلفزيونية- بأنه سرق حبات تفاح من بائع فاكهة وهو في طريقه للقصر. جيرانه يضحكون من الاهتمام الإعلامي به، وقالوا لمراسلة إحدى صحف التحريض: «الكل يعلم أنه يذهب للمظاهرات بأجر». طبعا الصحافية منعوها من أن تكتب رأي الجيران، فالمطلوب هو حشد التعاطف للبطل نكاية في مرسي. لكنها لم تغلب ودونت شهادتها على «فيس بوك».
لأول مرة أتعاطف مع الشرطة. كثيرون يؤكدون أن القصة الحقيقية للبطل المغوار تقول إنه استفز رجال الشرطة بشتائم مقذعة، وهم يحاولون إبعاده عن محيط القصر الرئاسي. وأن صبرهم نفد لما خلع سرواله وأتى لهم بحركات بذيئة. فماذا أنتم فاعلون يا دعاة الخراب لو كنتم مكان جنود ريفيين لا يقبلون العيبة؟
ما يحز في النفس، هو مستوى الشر الذي أخرجه السياسيون الحاقدون والإعلاميون «الغلاويون» تجاه السيدة الفاضلة زوجة الرئيس محمد مرسي. إذا كان الرجل صاحب سلطة تنفيذية، ومن حقهم نقده، بل إنه ترك لهم المجال لينهشوا في سيرته وذمته بل ويسخرون من كونه حافظا لكتاب الله، فما دخل السيدة زوجته في معاركهم. هل من شيم الرجال وقت الخصومة اللعب بورقة النساء؟! صدق من قال «كن على حذر من الفاجر إذا خاصمته». منذ فوز زوجها بالرئاسة، وبدأ الغمز واللمز عن هذه السيدة البسيطة التي ستحمل لقب السيدة الأولى.. تساءلوا: هل ستكون واجهة مشرفة لمصر كما الهانم سوزان مبارك.. وكيف تكون سيدة أولى وهي مشغولة بالمطبخ وطهي «المحشي» لمرسي؟!.
المرأة خرجت عن صمتها لأول مرة وقالت إنها لا سيدة أولى ولا يحزنون، وترفض اللقب أصلا. هنا لم يسكتوا.. بعدما كانوا يسخرون من بساطتها التي لا تعجبهم راحوا يتحدثون عن بذخها وترفها. قالوا إنها ذهبت لتفقد القصور الرئاسية لتختار واحدا منها تقيم فيه، ولما أعجبها قصر الاتحادية، طالبت بعمل حمام سباحة فيه مكان أشجار نادرة وعتيقة أمرت بإزالتها.
لم يعتذروا على ركاكة ووضاعة ما يزعمون، حتى بعدما عرفت الدنيا كلها، أن المرأة ما زالت في شقة الأسرة الإيجار بحي التجمع الخامس شرقي القاهرة، وأن الرئيس يذهب إلى القصر الرئاسي لتأدية عمله ثم يعود إلى بيته. واصلوا الشحن ضد الزوجة المغلوب على أمرها. لما جاء ابنها الطبيب الذي يعمل في الخليج، ويصطحبها مع أشقائه لقضاء إجازة في طابا على حسابه الشخصي، مثل أي أسرة، زعموا أنها صرفت في أيام معدودة مليونا ونصف المليون جنيه على نفقة الدولة!!
عندما ذهبت لزيارة زوجة رئيس الوزراء الدكتور هشام قنديل. نزلت من الزيارة فوجدت أمامها مجموعة من النسوة يشرشحن لها، لأن السائق ركن السيارة أسفل العمارة وأن هذا ليس من حقها. لو كان السائق أخطأ، فأين ما نتباهى به من إكرام الضيف، ونتحمل «احتلال» سيارتها تلك المساحة خلال فترة وجودها. وأين العبارة التي كنا نرددها باستمرار: «أهلا وسهلا.. إن ما شالتكش الأرض نشيلك في عينينا».
ما كل هذا الإفراط في الحقد تجاه إنسانة مسالمة تلزم بيتها، ولا ذنب لها أن زوجها أصبح رئيسا منتخبا، وغيره سقطوا في كل انتخابات خاضوها.
هذا ما جنيناه من سياسيين بلطجية، وإعلاميين ناقصين تربية!
جريدة العرب
زر الذهاب إلى الأعلى