صناعة المفرقعات بمصر بدائية..

29

«الغلطة الأولى هى الغلطة الأخيرة».. عبارة موجزة، يلخص بها ضابط المفرقعات (م. أ) طبيعة عمله والخطر الذى يحيا فى ظله كل يوم؛ ولكن أصعب اللحظات التى يمر بها، هى تلك التى ينظر فيها إلى وجه أبنائه وزوجته قبل أن يتوجه إلى عمله، شاعرا فى كل مرة إنها «المرة الأخيرة».

كثيرون هم الذين يهربون من وحدة المفرقعات، التابعة للداخلية، خوفا على حياتهم، لكن (م. أ) اختار أن يسير في الاتجاه المعاكس للطبيعة البشرية التى تخشى تلقائيا الخطر.. يتذكر أول حوار بينه وبين زوجته حين صارحها بطبيعة عمله: «انزعجت عندما قلت لها إنني ضابط مفرقعات، وحاولت إقناعي بطلب النقل إلى إدارة أخرى، لكنني أكدت لها مدى عشقي لهذا المجال. الأمر الثاني، أن وزارة الداخلية لن تسمح لي بذلك لأنها أنفقت أموالا طائلة لتدريبي وتأهيلي لأصبح متخصصا في المفرقعات.. عددت لها مميزات عملى، مثل الراتب الكبير والمعاش المناسب، وحاولت طمأنتها بأن نسبة الخطر تقل، كلما نفذت الخطوات المطلوبة بدقة أثناء الكشف على المفرقعات.. بعد زواجنا حرصت على ألا أتكلم معها عن عملي حتى لا تقلق».

تدريب خبير المفرقعات يبدأ بفرقتين فى الجيش (حوالى ستة أشهر)، بعدها يقضى عاما فى الولايات المتحدة الأمريكية، ومن وقت لآخر يجب أن يتلقى تدريبا تنشيطيا، خاصة للتعرف على الأنواع الجديدة للمتفجرات، لذا فضابط المفرقعات (م. أ) راكم الخبرات رغم أن عمره لا يتعدى ثلاثين سنة، تعود خلالها الصبر والدقة والانضباط، «لأن الثانية الواحدة مهمة فى التعامل مع المفرقعات، عنصر الوقت والتقرب إلى الله غاية فى الأهمية، ويعد من أدواتى فى العمل ».

أحيانا يهرب النوم من عينه، يغادر فراشه ليشاهد التليفزيون، لكن البرامج والقنوات الفضائية غالبا تأتيه بما لا يشتهى، فهي لا تخلو من الأخبار المزعجة مثل العثور على مفرقعات وقنابل يدوية وخلافه. يتذكر ما يقوله رؤساؤه في العمل عن انتشار المفرقعات في حقبة التسعينيات والعدد الضخم لشهداء الشرطة وقتها، وبالأخص ضباط المفرقعات الذين فقدوا حياتهم في أحداث مشابهة لما يحدث الآن، لاسيما بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة.

ويعلق على كثرة انتشار القنابل في المحافظات المختلفة قائلا: «من حسن الحظ أن صناعة المفرقعات غير متطورة في مصر، بغض النظر عن عمليات السيارات المفخخة (في الإسماعيلية وسيناء) والتي يستخدم فيها الإرهابيون مفرقعات حديثة الصنع مهربة من الخارج».

يتعرض لأشهر أنواع المفرقعات المستخدمة حاليا في مصر، وهى كما يشرح قنابل يدوية الصنع «حجمها صغير تنزع منها (التيلة) لتصبح جاهزة للانفجار بمجرد سحب ذراع الأمان منها. أما النوع الثاني ــ قنابل التي إن تي ــ فهي تستخدم بكثافة في سيناء وتشبه صابون الغسيل.

ويقاس الانفجار بحسب كمية مادة “التي إن تي” المستخدمة، ولها طريقتان في الاستخدام: إما يدويا بإشعال النيران في المفجر، أو كهربائيا باستعمال مفجر كهربائي يتم التحكم فيه بواسطة جهاز تحكم عن بعد (ريموت كنترول)». أما النوع الثالث من القنابل المنتشرة في مصر، على حد قول الخبير، فهي بدائية الصنع «بلدي» مثل المونة.

يسرد الضابط خطوات عمله، بعد التأكد من صحة البلاغ المقدم حول وجود مفرقعات في مكان بعينه، إذ يتم التوجه مباشرة إلى مكان المتفجرات، ويلجأ إلى «كلب المفرقعات» الذى يتميز بالقدرة على الكشف عنها في وقت قياسي. وبمجرد الكشف عن مكان المتفجرات يركض الكلب ثم يثبت مكانه ولا يتحرك، فيفهم المدرب الإشارة، ويرمى له الكرة بعيدة عن المتفجرات حتى يبتعد عن المكان الذى تم تحديده.

ويوضح أيضا ضابط المفرقعات أنه قد يستخدم الإنسان الآلي في نقل المتفجرات لمكان قريب، بعيدا عن التجمعات السكانية، لو أمكن ذلك.

أما الخطوة الرابعة التي يتخذها، فهي ارتداء بدلة المفرقعات التي تحمى من أخطار الانفجار بنسبة معينة. وبواسطة جهاز «إكسيري» يحاول معرفة المحتوى الداخلي للمفرقعات ليتم التعامل معها، ينصح ضابط المفرقعات المواطنين في حال العثور على جسم غريب غير مألوف، «عدم الالتفاف حوله، بل والابتعاد عنه بحوالي 50 مترا، ثم الاتصال بإدارة المفرقعات (على رقم 180) أو تقديم بلاغ لشرطة النجدة، ويحذر المواطنين من «عدم فتح أي حقيبة قد يجدونها داخل الأماكن المغلقة ووسائل المواصلات، وعدم التعامل مع الأجهزة الكهربائية التي يتم العثور عليها، والتي قد يستخدمها الجناة كمواد لجذب المارة.

الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى