القضاء المصرى فى مرمَى المآرب

مشروع الإخوان لتعديل «السلطة القضائية» جهالة مفرطة
الهدف الحقيقى لمشروع الإخوانى الكارثة: إخصاء القضاء.. وليس ضرب استقلاله فقط
أخونة القضاء وإخضاعه لمبدأ البيعة والقَسَم وفق أوامر مكتب الإرشاد
من عجائب المشروع منع كل المحاكم بجميع درجاتها من التعرض للإعلانات الدستورية الصادرة من المجلس العسكرى ومرسى بالتأويل أو الإلغاء أو وقف التنفيذ أو التعطيل، المشروع حاول إرهاب القضاة بالنص على عدم أحقية القضاة أو عضو النيابة فى الدعوة لإضراب المحاكم أو المشاركة فى أى عمل من هذا القبيل حتى لا يحال إلى مجلس التأديب فى إطار تقسيم الأدوار فى الهجوم الشرس على القضاء، قُدّم بالتوازى مع مشروع حزب الوسط مشروع آخر منسوب إلى أحد أعضاء «الحرية والعدالة» حزب الإخوان، وهو وكيل اللجنة التشريعية بـ«الشورى» الذى قُضِى ببطلان تشكيله وأنا أكتب هذه السطور.
وهذا المشروع لا علاقة له بالقانون ودنيا القانون، وواكب غرضه المريض جهالة مفرطة بالتشريع وبالقانون.. وأولى كبائره، حسب ترتيب كتابته، ما ورد بالمادة الثانية من تعديل طريف غريب عجيب للفقرة الثانية من المادة (34) من قانون السلطة القضائية التى تنص على: «ويحظر على الجمعيات العمومية للمحاكم (يا ألطاف الله!) اتخاذ أى قرارات من شأنها التأثير فى سير العدالة (تُرى مَن الرقيب؟!) أو الامتناع عن القيام بواجباتها الدستورية (هل يعرف مَن كتبوا هذا المشروع الضرير ما الواجبات الدستورية؟!) أو تعطيل أو تعليق العمل بالمحاكم (؟!)، ويقع باطلا كل قرار يخالف ذلك».
من اللغو والمهانة أن يعلق رجل قانون على هذا اللغو المريض، ومرماه لا يفوت، وهو المصادرة غير المشروعة على سلطات الجمعيات العمومية للمحاكم، والمصادرة معها على «حقوق المواطنة» للقضاة، والغرض إخراجهم من إطار السلطة القضائية واستقلالها، وتتبيعهم لأشاوس السلطة التنفيذية الجديدة، فلا يعترضون ولا يحتجون ولا يُضْربون، مع أن الإضراب حق دستورى، ولا يتنفسون ولا ينبسون ببنت شفة لا فى مشاريع قوانين السلطة القضائية، ولا فى الانتخابات، ولا فى غيرها. ولم ينسَ مبتدئو القانون التنصيص على أنه «ويقع باطلا كل قرار يخالف ذلك».
مَن الذى أعطى هذا العضو بحزب الإخوان: الحرية والعدالة، كل هذه «الصلاحيات» التشريعية؟! وما سند مَن دفعوه إلى هذا الاقتحام الضرير لرحاب السلطة القضائية والمصادرة عليها وعلى قراراتها بل وأنفاسها؟!
مهلاً.. فسنرى عجيبة أخرى وضعها المذكور بإضافة مادة فى المادة الثالثة من المشروع برقم «17 مكررًا» إلى قانون السلطة القضائية، بل هى قمة العجائب التى لا مثيل لها فى أى تشريع فى العالم. تقول المادة فى اجتراء ضرير غير متحسب: «تعد من أعمال السيادة المشار إليها فى المادة 17 من هذا القانون جميع (الإعلانات الدستورية)الصادرة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة (لبرو العتب!!) ورئيس الجمهورية (وهذا هو المرام المقصود)، ويمتنع على كل المحاكم (أىْ الدستورية العليا أيضا) بجميع درجاتها التعرض لهذه الإعلانات بالتأويل (يا ألطاف الله!) أو الإلغاء أو وقف التنفيذ أو التعطيل ويبقى نافذًا جميع ما يترتب عليها من آثار حتى تاريخ العمل بالدستور الحالى (الذى صار فى مهب الريح بصدور حكم «الدستورية العليا» مع كتابة هذه السطور ببطلان الجمعية التأسيسية التى وضعته، ويقع منعدمًا بقوة القانون (يا ألطاف الله!) ودون حاجة إلى أى إجراء آخر (كنظام الشرط الصريح الفاسخ فى العقود مع أن القضاء دَرَج على أن لا يعمل به تلقائيا ولا بد من عرضه على القضاء) كل حكم أو قرار يصدر بالمخالفة لهذه المادة وتقف إجراءات تنفيذه نهائيا بقوة القانون»!
هل سمع أحد عن «أحكام قضائية» تقع معدومة بقوة القانون ودون حاجة إلى أى إجراء ويوقف تنفيذها ونهائيا بقوة القانون، ودون حاجة إلى أى إجراء آخر. تُرى مَن الأشوس الذى سيتمنطق ويعلن أن هذا الحكم أو ذاك «منعدم» بقوة القانون، ولا ينفَّذ نهائيا، ويلقى به فى سلة المهملات، ولا يعمل به البتّة، دون حاجة إلى حكم يقضى بانعدامه أو بخطئه أو ببطلانه أو بإلغائه، ولا إلى أى إجراء آخر، اللهم إلاّ «فرمان» أحد أشاوس السلطة التنفيذية الذى يكفيه أن يخرج على مصر بدمغ ما يشاء من أحكام قضاتها بأنها «منعدمة» «لا قيمة لها» «ولا نفاذ لها» هكذا، دون ما حاجة إلى أى إجراء آخر سوى ما تمنطق به الأشوس الذى لا بد إذن أن لا رادَّ لفرمانه ولا تعقيب عليه؟!
ما هذا العبث؟!
مهلًا.. فهناك مصيبة أو عجيبة أخرى تتغيَّا «إرهاب» القضاة وأعضاء النيابة العامة فى صورة غير مسبوقة فى البر والبحر، فذات المادة الثالثة من مشروع عضو «الحرية والعدالة» حزب الإخوان، تضيف إلى قانون السلطة القضائية مادة برقم «72 مكررا»، تقول فى جرأة مريضة: «لا يجوز للقاضى أو عضو النيابة (يقصد النيابة العامة) أن يدعو إلى إضراب المحاكم، أو تعطيل العمل بها، أو أن يشارك فى أى عمل من هذا القبيل أو يستجيب له (يا للهول!)، ومَن يقوم بذلك يحال إلى مجلس التأديب المنصوص عليه بالمادة (98) من هذا القانون، ويعتبر متغيبا عن العمل بغير عذر طوال مدة امتناعه، ويحرم من مستحقاته المالية طوال هذه الفترة، دون إخلال بما يترتب (ولم يقل بما قد يترتب) عن (يقصد على) هذه الأفعال مسؤولية جنائية».
ولم يكلف من صاغ هذا العبث، وملحقه فى المادة (79) مكررا المطلوب إضافتها، بشأن الانتخابات، لم يكلف خاطره الشريف، باستقراء المدونة الجنائية ليستكشف -على الأقل- ماذا يمكن أن يشكل مسؤولية جنائية، وما نوعها وتكييفها ومادة قيدها، عن الأفعال التى عددها فى نص المادة (72) مكررا، والمادة (76) مكررا، مع أن سيادته يجزم فى كل من النصين اللذين صاغهما بأن المسؤولية الجنائية قائمة وجازمة لا ريب فيها، فيقول: «دون إخلال بما يترتب»، ولم يتحوط فيقول: «بما قد يترتب».. وهذا الجزم الجهول، لا يُعزى فقط إلى الجهل بالقانون وقواعد اللغة وأصول الصياغة، وإنما يُعزى فى المقام الأول إلى الغرض الضرير، فهو مرض لا يبرأ منه العمل ما دام صادرا عنه؟!!».
ما هذا اللهو؟!
وما هذا العبث؟!
ولماذا لا يفصح مُعِدّو هذه المشروعات الضريرة عن الغرض فى وضوح لنراه معه ويراه العالم:
إخصاء القضاء، وليس ضرب استقلاله فقط!!
أخونة القضاء، ولا يهم بعد ذلك استقلاله، فهو بمبدأ البيعة والقَسَم يخضع لأوامر مكتب الإرشاد!
ماذا ترى سوف تتفتق عنه هذه الأذهان بعد حكم «الدستورية العليا» الذى لم أطالعه بعد، ببطلان تشكيل مجلس الشورى، وبطلان الجمعية التأسيسية، حتى مع إرجاء تنفيذ بطلان وحل «الشورى» إلى حين تشكيل مجلس النواب. هل هذا التشكيل الباطل مهيَّأ ليصدِر قانونا بحجم ومكانة «السلطة القضائية»؟!
تُرى ماذا بقى فى جعبة هذه التوجهات الضريرة؟! سوف نرى!
التحرير






