توقعات السفيرة الأمريكية بشأن 30 يونيو

كتب: جمال أبو الحسن
ماذا لو جلست السفيرة الأمريكية «آن باترسون» لتكتب تقريراً مرفوعاً لرئيسها حول الأوضاع فى مصر عشية 30 يونيو؟ أتصور شيئاً قريباً مما يلى:
«سيدى الوزير: أقر- ابتداء- باستحالة التنبؤ الدقيق بما سوف تسفر عنه الأحداث فى مصر فى الأسابيع والشهور القادمة. المصريون ذاهبون إلى حدث كبير فى 30 يونيو. المعارضة دعت لمظاهرات حاشدة واعتصامات. الهدف هو الإطاحة بالرئيس الذى مضى عام واحد على انتخابه. تشير جميع مصادرنا إلى أن المظاهرات ستكون بالفعل حاشدة. ألفت الانتباه إلى أنه يصعب التنبؤ بسلوك المصريين. يصعب أيضاً التنبؤ بموقف القوات النظامية (الجيش والشرطة)، وإن كان من الواضح أنها لا تحمل مشاعر إيجابية إزاء حكم الإخوان. فى المحصلة، الجيش لم يطلق طلقة واحدة دفاعاً عن نظام مبارك. لا أرى سبباً يجعله يغير سلوكه دفاعاً عن نظام الإخوان.
لقد تابعتُ على مدى الشهور الماضية أداء الدكتور مرسى، وتواصلتُ مع عدد من أركان حكمه. خرجتُ من اتصالاتى بانطباع أوحد: الإخوان المسلمون ليس لديهم خطة من أى نوع. تلك هى المشكلة الأولى. نعم! أخطر شىء فى السياسة ألا تكون لديك خطة. أن تسير بك الأحداث، دون أن تكون لديك أدنى قدرة على توجيهها. يقول المثل: (إذا لم تكن تعرف إلى أى الموانئ تريد الإبحار، فلن تجدى أى ريح مهما كانت مواتية). الإخوان المسلمون لا يعرفون وجهتهم. تتقاذفهم الرياح فى كل اتجاه.
لا تكمن المشكلة فقط فى أن الإخوان ليس لديهم خطة. الأخطر أن الجميع صار يعرف ذلك، وتلك هى المشكلة الثانية. الجميع يشعر بغياب فادح وفاضح للحد الأدنى من الإدارة السليمة للأمور. فشل الإخوان هو حديث المقاهى والمنتديات والبرامج الحوارية فى مصر. مع تكرار الأزمات المعيشية من نقص فى البنزين والسولار وغلاء الأسعار، أصبح شعور الحنين للنظام القديم أمراً معتاداً. أسمع نفس العبارة تتكرر فى جميع المناسبات الاجتماعية التى أُدعى إليها: (النظام القديم كان به الكثير من الفساد.. ولكن المركب كانت ماشية).
المشكلة الثالثة تتمثل فى أن الوضع الاقتصادى يمضى إلى حافة هاوية محققة. أكتفى هنا بأن أشير إلى أن أحد الخبراء الاقتصاديين المرموقين (د.حازم الببلاوى) قال مؤخراً إن فشل الإخوان فاق كل توقعاته المتشائمة. يكفى أن نعرف أن الدين المحلى لمصر وصل إلى 1.3 تريليون جنيه. لو وُزع هذا الدين على المصريين لكان نصيب كل فرد 15 ألف جنيه. الوضع العام فى مصر يذكرنى شخصياً بفترة عملى فى باكستان، حيث كان انقطاع الكهرباء باستمرار سبباً فى شيوع حالة من السخط العام. يحدث شىء شبيه فى مصر الآن.
يقودنى هذا للمشكة الرابعة، وهى الأخطر. يعيش الإخوان حالة من الإنكار الكامل لجميع المشكلات السابقة. هم يرون أن حالة الاحتقان والغضب الشعبى هى صنيعة الإعلام المضلل، وحصيلة كراهية العلمانيين لهم وحقدهم عليهم. هذا الإنكار يفصلهم أكثر عن الواقع. يجعلهم مسكونين بجنون الارتياب وميالين للتفكير التآمرى.
سيدى الوزير.. الإخوان يتكلمون كثيراً ولكن قدرتهم على الفعل جد محدودة. فى الواقع رصدتُ لديهم ما يشبه الانفصام التام بين الأفعال والأقوال. الخطر لا يكمن فى نزعاتهم الشمولية، وهى موجودة بالتأكيد. الحقيقة أن الخطر الأكبر يكمن فى عجزهم عن السيطرة والقيام بمهام رجال الدولة. هذا الضعف والعجز يزج بمصر فى الفوضى. حكم الإخوان هو التجسيد الحى لمقولة إدموند بيرك من أنه (ما من شىء أشد ظلماً وجوراً من حكومة ضعيفة!).
للأسف، لا تعيش مصر تجربة ديمقراطية، بل فوضى سياسية. القوى الليبرالية لا وجود لها تقريباً. من يواجه الإخوان هو خليط من تيارات شعبوية وقومية ويسارية. بعض أفكار هؤلاء أكثر تحجراً من الإخوان. أذكِّر هنا بأن الإخوان حافظوا على معاهدة السلام مع إسرائيل. لابد أن نعيد التأكيد على هذا الالتزام فى كل حديث معهم. أوصى بأن نعمل مع القوات المسلحة مباشرة فيما يتعلق بالوضع المقلق فى سيناء، والانعكاسات المحتملة لهذا الوضع على أمن قناة السويس. أكرر صعوبة التنبؤ بالموقف.
ليس من مصلحة الولايات المتحدة سقوط حكم الإخوان، على الأقل الآن. فى المنطقة ما يكفى من الأزمات والحروب. نهاية حكم الإخوان لا تعنى- فى أفضل الأحوال- سوى العودة للحكم العسكرى لفترة قد تطول (مرة ثانية تعود باكستان إلى ذاكرتى). مع ذلك، أوصى بأن تعكس مواقف الإدارة استعدادنا للانفتاح على مختلف البدائل. لابد أن تصل هذه الرسالة للإخوان، وكذلك لعموم المصريين. فى النهاية، ستجد الولايات المتحدة أنه من الصعب عليها مساندة حكومة ضعيفة تواجه غضباً شعبياً حقيقياً. فى الأيام القادمة سنقدر بدقة مدى اتساع هذا الغضب وإمكانيات ترجمته سياسياً.. أواصل متابعة الموقف».
المصرى اليوم






