مَن لم يمت بالضحك..

جمال فهمي
نستطيع من هنا حتى الصباح أن نحكى ونكتب ونتعجب ونتندر ونقهقه ونضحك (حتى نفطس ونموت ونخلص وننعم بالراحة الأبدية) من آيات الفشل والجهالة والخيابة التى لا تتوب الست «جماعة الشر» السرية ولا تزهق أو تتقاعس عن إنتاجها كل يوم (أحيانا كل نصف ساعة) بينما هى تحكم وتتحكم بالمخاتلة والنصب التزوير فى وطن عظيم منكوب وشعب صابر غلبان نُشلت ثورته ودماء وأرواح ونور عيون أجمل وأنبل شبابه.. جهارا نهارا.
ومع ذلك لا مهرب من الإقرار والاعتراف بأن الست المذكورة و«ذراعها» الرئاسية وحكومتها التعبانة الغبية جميعا موهوبون جدا فى اجتراح واختراع صنوف نادرة (أغلبها ليس له مثيل) من الغباوة والحماقة والعربدة والتلطيش يمينا ويسارا وفى كل اتجاه، فما نكاد ننسى نكتة غشيمة ثقيلة أو مسخرة سمجة فاقعة حتى تداهمنا الست و«ذراعها» بنكتة جديدة أنقح وأشد سخفا ومسخرة أخرى أعمق غوصا فى السوريالية والجنان الرسمى.. يعنى خذ عندك مثلا، أحدث منتجات العشوائية واللؤم السفيه المعجون بعطب عقلى مُدمر، وأقصد هذا القرار السلطانى الأهبل الذى أعلنوه قبل أيام وتضمن وعدا عجيبا لأهلنا البواسل سكان مدن القناة الثلاث بالحصول على «رشوة» سنوية (قالوا إنها 400 مليون جنيه) تقتطع من عائد دخل قناة السويس بحجة أن مجراها المحفور فى لحم ترابنا الوطنى ومياهها المختلطة بدم الشهداء يصافحان وجوه وبيوت هؤلاء السكان!!
طبعا واضح وضوح الشمس فى رابعة النهار أن الغباء الساكن فى عقول حكام الغفلة والغبرة تفجر فجأة، وطفح لؤما وتذاكيا عبيطا، إذ توهموا أن إعلان «وعد بالرشوة» شاذا ومخبولا على هذا النحو كفيل بأن ينجيهم وينتشلهم من أزمتهم الطاحنة وأنه وسيلة ناجعة لاستغفال أهلنا فى المدن الثلاث وإطفاء نار الاستياء والقرف والغضب المشتعلة فى صدورهم (كما فى صدور أغلب المصريين) من فشل وعربدة وإجرام «الجماعة» وأذرعها العابثة فى أحشاء البلد من دون رحمة ولا ضمير، غير أن الأوهام تبددت فورا وخاب المسعى اللئيم بسرعة البرق، فلا الأزمة انفكت، بل اشتدت واحتكمت أكثر، ولا الخدعة التعيسة انطلت أو بلعها أصغر طفل من مواطنينا الكرماء الأعزاء فى بورسعيد والإسماعيلية والسويس، بل حدث حدث العكس تماما، فقد ضحكوا وسخروا من الغباوة وألهبوا أقفية الأنطاع بالتنكيت عليهم، وكما سبق ومسحوا الأرض بقرار العقاب الجماعى وفرض الطوارئ وحظر التجول على المحافظات الثلاث، مرمطوا «وعد الرشوة» المهين العبيط ووضعوه فى أقرب صفيحة زبالة واستمروا فى النضال السلمى وصعدوا من عصيانهم النبيل.
ورغم أن دواعى التنكيت وأسباب الضحك ظاهرة وتزاحم بعضها بعضا فى هذا التجلى الأخير للغباوة، إلا أن ما يدعو للبكاء يظل أقوى طغيانا، لأن شر الخيبة وسهمها المسموم يبدو هذه المرة منطلقا نحو قلب وحدة التراب والنسيج الوطنيين، فالأمر ليس فقط مجرد وعد غير شرعى ولا قانونى، يحاول النصب على ملايين المواطنين ويداعب غرائزهم ويقايض مطالبهم وحقوقهم المشروعة بـ«رشوة» تافهة، ولكن الكارثة الأكبر هى التعامل مع المصريين باعتبارهم شِيَعًا وقبائل وأجناسا مختلفة يسكنون أقاليم منفصلة لا تنتظمها دولة موحدة ولا شراكة متساوية وعادلة فى مداخل البلاد وثرواتها، ومن ثم يمكن منح بعض هذه الأقاليم حق «الاستقلال الذاتى» وشراء سكوت أى إقليم يتمرد أو يغضب برخصة الانتفاع وحده بكل أو جزء من خيرات طبيعية أو موارد وعائدات مشاريع تصادف وجودها ضمن حدوده.. الله يخرب بيوتكم!!
التحرير





