علاء الاسوانى:”أخطاء فادحة وسط المعركة”

24

ماذا تفعل اذا كان جيش بلادك يخوض الحرب دفاعا عنك ثم لاحظت في أداء الجيش أخطاء جسيمة ..؟!

هل تصرح بنقدك للجيش بينما هو يقاتل أم تؤجل النقد حتى تنتهى المعركة ..؟!.

هنا يفكر الناس عادة بطريقتين، بعضهم يقول ان توجيه النقد لجيش يحارب قد يؤدي الى ارباكه واضعافه وهو يواجه الأعداء .

أما المنطق الثاني ــ وأنا معه ـــ فيقول ان اخلاصك لبلادك وحبك للجيش يلزمك بمواجهته بأخطائه أولا بأول حتى يسارع باصلاحها وينتصر في الحرب .

أعتقد أن الكاتب لايجب ان يؤجل اعلان أفكاره تحت أى ظرف ولاي سبب بل ان اخفائنا للحقائق وتقاعسنا عن نقد الأخطاء حفاظا على اعتبرناه وحدة الصف قد أدى بنا الى الهزيمة أكثر من مرة في تاريخنا الحديث.

الدولة المصرية الآن تخوض حربا حقيقية ضد الارهاب .

جماعة الاخوان الارهابية بعد أن أزالتها عن الحكم ارادة الشعب والجيش في 30 يونيو تستهدف اسقاط الدولة المصرية ونشر الفوضى حتى تعود للحكم على جثث المصريين وأنقاض الدولة .

واجب المصريين جميعا في رأيي أن يدعموا الدولة في حربها ضد الارهاب لكن ذلك لا يجب أن يمنعنا من مواجهة الدولة بأخطائها التالية :

*************************************

أولا : ماذا يحدث لو أن حزبا سياسيا في دولة ديمقراطية امتلك تنظيما سريا مسلحا ثم خرج أعضاء هذا التنظيم فهاجموا جنود الجيش وقتلوهم وهاجموا اقسام الشرطة بمدافع ار بي جي وأسلحة آلية ثم اختطفوا ضباط الشرطة وقتلوهم ومثلوا بجثثهم وانطلقوا بعد ذلك يحرقون المحاكم والوزارات ومباني المحافظات وأقسام الشرطة والكنائس ويفتحون النار عشوائيا على المارة ويختطفونهم ويعذبونهم حتى الموت .

اذا حدث ذلك في أية دولة فستسارع باعلان أن هذا الحزب تحول الى منظمة ارهابية وجودها محظور بحكم القانون وسوف تقوم باغلاق مقرات الارهابيين ومصادرة اموالهم .

هذه الجرائم الارهابية جميعا قد ارتكبها الاخوان لكن الدولة المصرية مترددة حتى الآن في اعتبار الاخوان جماعة ارهابية. أرجو أن تقضى الدولة على ترددها وتحظر جماعة الاخوان الارهابية أما من لم يتورط في الارهاب من أعضاء الجماعة فهو مواطن مصري كامل الحقوق له أن يعمل بالسياسة كما شاء في حدود القانون على أن يمنع الدستور الجديد اقامة أى أحزاب على أساس ديني . .

*************************************

ثانيا : في يوم 17 اغسطس نشرت جريدة لوس انجلوس تايمز تحقيقا عن اعتصام جامع الفتح تتوسطه صورة كبيرة تصور جنديا مصريا يرفع مدفعه في وجه مجموعة من الناس ويقف خلفه شاب ملتح .

اذا كنت مصريا ستفهم أن الجندي كان يبعد الناس الغاضبين عن شاب ينتمى للاخوان حتى لايفتكوا به لكن الجريدة نشرت الصورة بغير تعليق مما سيدفع القراء الأمريكيين قطعا الى الاعتقاد أن الجندي كان يهدد مجموعة من أنصار الاخوان بسلاحه قبل أن يقتلهم .

هذا نموذج واحد لانحياز وسائل اعلام غربية كثيرة ضد الثورة المصرية وتصويرها على أنها انقلاب عسكري ..

كنا نتوقع من الحكومة المصرية أن تنشط اعلاميا لكي تقدم حقيقة ما يحدث في مصر الى ملايين الغربيين ولكن للأسف باستثناء المؤتمر الصحفي الناجح الذى عقده الدكتور مصطفى حجازي مستشار الرئيس فان الأنشطة الاعلامية التى قدمتها الحكومة لم ترق الى الأداء المطلوب في هذه اللحظة الفارقة من تاريخ مصر .

بل ان واقعة مهمة حدثت لم تنتبه اليها الحكومة .

بطل الواقعة هو مستر فولكهارد فيندفور وهو من أقدم المراسلين الصحفيين وأهمهم في العالم .

مستر فيندفور يبلغ من العمر 77 عاما وهو مراسل مجلة دير شبيجل الألمانية في القاهرة منذ عقود وله انجازات كبرى عديدة في مجال الصحافة وكان مقربا من الزعيم عبد الناصر وياسر عرفات وغيرهما من زعماء العالم .

هذا الرجل يحب مصر ويحاول دائما أن ينقل الحقيقة بأمانة للقاريء الألماني وقد ساءه انحياز الاعلام الغربي في موقفه من الثورة فما كان منه الا أن أصدر بيانا يدعو فيه زملاءه المراسلين الى تحرى الدقة والكتابة عن الجرائم الارهابية التى يرتكبها الاخوان المسلمون كل يوم في حق الشعب المصري .

هنا قامت القيامة ضد مستر فيندفور وتعرض لحملة منظمة شريرة من الصحف الألمانية استهدفت سمعة الرجل وتاريخه حتى أن مجلة دير شبيجل نفسها اشتركت في الحملة ضده .

كنت أتوقع من الحكومة الانتقالية أن تدعم هذا الرجل الشجاع الذى يدافع عن حقوق الشعب المصري أكثر من مصريين كثيرين .

كان يجب علينا أن نحييه على شجاعته واخلاصه للحقيقة وضميره اليقظ وكنت أتوقع من الحكومة أن تستفيد من خبرته الصحفية الكبيرة في مواجهة الحملة الاعلامية الشرسة التى تقودها بعض وسائل الاعلام الغربي ضد الثورة ولكن الحكومة بدت وكأنها لا تتابع الصحافة العالمية أو كأنها لا تميز أصدقاء الثورة من أعدائها .

*************************************

ثالثا : في وسط هذه الظروف صدر قرار بالافراج عن مبارك فأصاب المصريين بالاحباط واستفاد منه الاخوان لأقصى درجة حيث ظلوا يكررون في الاعلام الغربي ان الافراج عن مبارك أكبر دليل على ان ماحدث انقلاب دبرته عناصر النظام القديم .

بالطبع هذا الهراء لا يستحق الرد فلو كان مبارك يستطيع حشد 30 مليون مصري لما كان هذا مصيره كما أن المسئول عن عدم ادانة مبارك ليس الحكومة الحالية وانما المجلس العسكري السابق والاخوان المسلمون أنفسهم الذين سيطروا على البرلمان لمدة ستة أشهر وعلى الرئاسة عاما كاملا فلم يفعلوا أى شيء من أجل القصاص للشهداء.

المشكلة في رأيي ليست في مبارك فقط وانما في أن أجهزة الاتهام والتحقيق والتحريات بشكلها الحالي ستكون عاجزة عن تقديم الأدلة في الجرائم التى ارتكبت ضد المتظاهرين .

منذ بداية الثورة وحتى الآن على مدى ما يقرب من ثلاثة أعوام سقط آلاف الشهداء ولم يتلق أى قاتل عقابا عادلا بل ان ممثل النيابة في قضية مبارك أعلن بصراحة أن أجهزة الدولة تعمدت طمس الأدلة التى تدين مبارك …

لن تنتقل مصر الى المستقبل الا بتحقيق العدالة وعلينا هنا أن نستفيد من تجارب الدول التى مرت بظروف مشابهة فنسارع بتطبيق نظام العدالة الانتقالية الذى يستعمل تدابير قضائية وغير قضائية من أجل الكشف عن حقيقة انتهاكات حقوق الانسان بكل أنواعها ومحاكمة كل القتلة وتعويض الضحايا حتى تسود روح المصالحة والعدالة بين أبناء المجتمع . الغريب أن هناك وزارة في الحكومة مهمتها العدالة الانتقالية لكنها للأسف لم تفعل ما تشكلت من أجله طيلة هذه الأسابيع.

*************************************

رابعا : بينما الصحفي الالماني الكبير فولكهارد فيندفور يقف وحيدا ليدافع بشجاعة عن الحقيقة ويتعرض لاساءات بالغة من ماكينة الاعلام الغربي الجبارة ، كانت قنوات فضائية مصرية كثيرة تلهث وراء رفع نسبة المشاهدة التى تؤدى تلقائيا الى رفع سعر الاعلانات وزيادة دخول الاعلاميين .

الاهتمام بزيادة المشاهدين ليس عيبا لكن العيب أن يتم ذلك بطريقة غير مهنية ولا أخلاقية ..

مصر هي البلد الوحيد في العالم الذى تفتح فيه التليفزيون فتجد المذيع يعلن أنه سيضرب كل من يخالفه في الرأى بالجزمة على دماغه أو يتهم المختلفين معه بأنهم اما خلايا اخوانية نائمة أو طابور خامس من عملاء المخابرات الأمريكية .

في الدنيا كلها لن تسمع ألفاظا بذيئة في التليفزيون الا في مصر فقد أصبح عاديا أن تسمع شتائم بالاب والام واتهامات بالزنا واللواط لبعض الشخصيات العامة .

بعض الأشخاص تتم استضافتهم في البرامج التليفزيونية خصيصا لتفوقهم الساحق في البذاءة .

أحد هؤلاء تمت استضافته في قناة خاصة منذ أيام فراح على مدى ثلاث ساعات يطعن الناس في أعراضهم ويتفوه بألفاظ لايمكن أن تقال في الشارع بينما المذيعة تنظر اليه باعزاز .

في العالم كله البلاغات تقدم الى النيابة المختصة الا في مصر فالبلاغات تقدم في برامج التليفزيون .

يكفى أن يخرج ضيف البرنامج من جيبه أى ورقة مكتوبة ويعلن أنها تقرير من جهة سيادية ثم يكيل لخلق الله ما شاء من اتهامات بدءا من تسهيل الدعارة وحتى التجسس لصالح اسرائيل .. ..

لقد تحولت برامج تليفزيونية كثيرة الى ماكينات منحطة للتشهير على أنها ليست عشوائية وانما تستهدف بالتحديد الشخصيات التى عارضت نظام مبارك واشتركت في ثورة يناير حتى يتم اغتيالها معنويا ويفقد المصريين الثقة فيها وفي الثورة جميعا ,.

الغرض من هذه المذابح الاعلامية تمهيد الأرض لعودة فلول نظام مبارك الى السلطة .

ان ما يحدث في بعض برامج التليفزيون مهزلة مؤسفة وسقوط اخلاقي يجب أن يتوقف لأنه لايليق بالشعب الذى صنع ثورة عظيمة قدمت نموذجا أخلاقيا رفيعا للعالم والأسوأ من ذلك أن الاعلام الغربي يعتبر أن هذا التشهير الاعلامي يتم بتعليمات مباشرة من قيادة الجيش حتى أن جريدة النيويورك تايمز أصدرت تقريرا مصورا بعنوان “الجيش يسيطر على أمواج الأثير “.. زعمت فيه أن الجيش يمنع المصريين من معرفة الحقيقة لأنه يتحكم تماما في كل الفضائيات الخاصة والتليفزيون الرسمي ..

*************************************

خامسا : مع دوران ماكينة التشهير الاعلامية بدأت حملة موازية لتلفيق التهم وجرجرة المعارضين الى نيابة أمن الدولة .

فقد تم توجيه تهمة التخابر الى ناشطتين ثوريتين هما اسراء عبد الفتاح وأسماء محفوظ وفي الطريق مجموعة أخرى من البلاغات ضد أسماء ثورية وطنية محترمة ( مهما اختلفنا معها في الرأى ) مثل الأستاذين بلال فضل وعلاء عبد الفتاح .

تهمة التخابر مثل اثارة البلبلة وتهديد السلم الاجتماعي والتحريض على كراهية النظام . كلها تهم وهمية لا أساس لها في قوانين الدول الديمقراطية وهي تهم مطاطة من الممكن توجيهها لأى شخص اذا غضب النظام عليه .

هذه التهم تم توجيهها الى معارضى مبارك ثم معارضى المجلس العسكري ومعارضى الاخوان والآن توجه من جديد الى معارضى السلطة الجديدة في مصر .

ان استمرار التنكيل الاعلامي والقانوني بالمعارضين بهذا الشكل يبعث باشارات سلبية مقلقة حول مدى جدية التحول الديمقراطي في مصر
ان ثورة 25 يناير العظيمة التى استطاعت أن تخلع مبارك وتحاكمه ثم أصلحت مسارها في 30 يونيو وخلعت جماعة الاخوان الارهابية من الحكم لن تسمح أبدا بعودة نظام مبارك الفاسد ولا بعودة الاخوان الارهابيين الى السلطة .

الشعب المصري لن يقبل الا باقامة ديمقراطية حقيقية في دولة عادلة محترمة يتمتع فيها المواطنون جميعا بحقوقهم كاملة فلايشهر بهم أحد ولا تلفق السلطة ضدهم التهم لأنهم يحملون أفكارا مختلفة .

الثورة مستمرة وسوف تنتصر باذن الله
الديمقراطية هي الحل

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى