فى المأساة التى فى «رابعة»

إنهم المأساة المعلَّقة فى رقابنا.
الجناة/المجرمون صنعوها وما زالوا يحاولون استثمارها.. لكننا تركناهم يفعلونها فى زمن الغفلة.
تركناهم يمارسون دجلا/وجريمة شعوذة على أنها سياسة.
تركناهم يبتزّون المجتمع، ويحشدون منه ضحايا، وشاركنا فى التواطؤ بالسكوت أو بالتوافق أو بالخوف من التفكير أو بالتصور إمكانية من يلغى السياسة من أساسها بدمجها فى الدين أولا.
هم فى « رابعة..» يبكون، ينتظرون، يعيشون فى عالم من الإنكار الكامل.
جموع هائمة تدافع عن خرافتها الكبرى. يعاقبون المجتمع كله على ضياع فرصتهم. واختفاء رئيسهم فى استراحة رئاسية نصف مسجون/نصف حر.
المقيمون فى اعتصام رابعة العدوية هم تلخيص تاريخى لضحايا/ جناة أكبر عملية ابتزاز فى تاريخ هذه المدينة.
لا يرون ملايين خرجت فى جسد كبير لتغيير سياسى، بعد شعور بالخطر.
الجسد الكبير أزاح المرسى بحضور مدهش، كشف عن كوارث تلخيص الديمقراطية فى صندوق خاضع للمال/النفوذ/ السلاح… ويمثل فى لحظة مثل التى تعيشها مصر عائقا للتغيير، بمعنى افتقار الأداة إلى دورها، فالصندوق الذى يقوم على التغيير يمنعه، أو يعطله، وهذا ما سقط المرسى فى فجوته الكبرى.
لم يرَ المرسى، ولا أحدا من الذين تجمعوا مثل ورم فى اعتصام رابعة الجسد الكبير الفائض فى الشوارع،إنكار أو عدم قدرة أو إرادة على الخروج من العالم الافتراضى أو ذوبان فى الذات الجماعية المهووسة بسحر لم يعد صالحا للاستخدام.
الخروج التاريخى ضد (دولة الفقهاء )… لا يمكن اختصاره فى (انقلاب عسكرى) أو (جمهور مشتاق إلى الكاكى)، كما لعبت بروباجندا الإقامة فى رابعة العدوية.
هؤلاء الذين حوّلوا قاعة مناسبات فى مسجد رابعة إلى غرفة عمليات سلاحهم، فيها كاميرا يحدثون منها الغرب (الذى تقوم فكرتهم على تكفيره / أو أنه الشيطان الأعظم/ موطن الشرور).
فى هذه القاعة نفس الهرم التنظيمى.. القيادات أمام الكاميرات والقيادات الأعلى فى الدور الأعلى، والأوامر تصدر بينما فى الساحة جموع موهومة بأنها فى حرب دفاع عن إسلامها/ طريقها للجنة.
كيف تدخل السياسة بمنطق أنك «مشروع شهيد»؟
مَن أقنعك أن الدفاع عن السلطة جهاد، وأن الحكم ما زال خاضعا لحروب البيعة؟
القادة فى قاعة المناسبات يقودون حديقة مفتوحة لسلالات المهووسين بأحلام الجماعات التى ورثت صورتها من تنظيم «الحشاشين» فى العصر العباسى.
حشاشون دون حشيش، ولا صور مصنوعة للجنة على الأرض، هؤلاء الذين يحجّون إلى الاعتصام، بكاءً على عُمْرٍ ضاع فى تنظيم (انكشف ضعفه وهوانه) وغضب (الدعاة الذين يرون أن السياسة أضاعت دعوتهم)، وبائسون ينتظرون «المرسى المنتظر».
يتداعى التنظيم (الذى طالما أثار الرهبة فى المجتمع السياسى باعتباره كيانا يصعب تجاوزه) ويعانى من سقوط رخيص يتصورون فيه أنهم ما زالوا قادرين على الخديعة، أو الضحك، رغم أن اللعب مكشوف والأبواب اختفت، والقيادات إما فى السجن أو على المسرح فى استعراضها الأخير.
إنها الجريمة / المأساة.
لا تشبه حتى ما فعله النازى فى جمهوره، ولا الفاشى فى المفتونين به.. إنها جريمة أكبر وأكثر مأساوية.
بعد أيام من الهوس والهتافات «قادم قادم يا إسلام» والدعوة إلى معركة الدفاع عن الإسلام حتى لا يعود إلى غربته، والمجتمع إلى جاهليته، بعد حفلات الدموع والهزيمة حزنًا على «ضياع الإسلام» صدرت أوامر بتغيير العرض، فانقلب الجمع فجأة إلى الهتاف لمصر والثورة وبدلا من صور المرسى رُفعت أعلام مصر (لم يدرك أحد منهم أن الخطة مكشوفة مفضوحة معروضة فى لقطات مصوَّرة تحكى ما دار فى اجتماع قيادات ترسم خطة الخداع من أجل استعادة الشعبية الهاربة).
حدث هذا بعد أيام من مجزرة الحرس الجمهورى، وكشف مخطط آخَر أبطاله «مشاريع الشهداء» أو الانتحاريون الذين شحنتهم البروباجندا ليكونوا مادة صناعة أسطورة ضحية جديدة.
التحرير






