الأقباط فى مرمى النيران

alrams

الأقباط فى مرمى النيران

كمال زاخر موسى

كلما اصطدمت إدارة الأزمة بجدار الفشل تحولت الأنظار للأقباط لتُحَمِلّهم بالمسئولية، ولتلاحقهم بالإتهامات، بدأ الأمر مبكراً مع استفتاء مارس حول التعديلات الدستورية وتحويله إلى طرح طائفى باختلاق أن الكنيسة توجه الأقباط للتصويت بـ “لا” استهدافاً للإسلام والشريعة، وانتهاء بمقولة أن الكنيسة تعمم توجيهاً للأقباط بالإحتشاد أمام قصر الإتحادية لإسقاط النظام والرئيس فى عظة الأربعاء الصباحية، ويكتب هذا الهراء فى جريدة محسوبة على تيار الإسلام السياسى، ولا يتحرك النائب العام ليحمى المجتمع ومن ثم الوطن من سعى التخريب المكذوب هذا، ويسأل من يروج عن الدليل والبينة التى هى على من ادعى بحسب القواعد الفقهية والقانونية، وأين هى عظة الأربعاء الصباحية هذه على خريطة الكنيسة؟.ـ

بين الإستفتاء والإتحادية وربما بعدها يحمل الأقباط بفشل وضع دستور توافقى حين رفضت ابتلاع طعم تمرير دستور معيب بحسب تحليل الفقهاء الدستوريون ورموز العمل السياسى من أهل الإختصاص، فى إنتباهة منها أن التاريخ لن يغفر لها حال استمرارها فى مهزلة التمرير التى تمت بليل وقبولها بدور العراب والمحلل.ـ

وحين أعلن البابا تواضروس بحزم ووضوح أن الكنيسة لن تكون لاعباً سياسياً بحال، مع تمسكها بدورها الوطنى كما كانت عبر تاريخها المديد، تأسيساً على أن الدور السياسى هو بالضرورة خيار بين انحيازات لفصيل ورؤية بعينها ومن ثم هو دخول فى صراع بين مختلفين بينما الدور الوطنى هو انحياز قائم ودائم للوطن، لحساب الفقير والضعيف والمهمش والذين ليس لهم أحد يذكرهم، لغد أفضل وسلام حقيقى باعتبارها المظلة التى توزع دفئها على الكافة دون تمييز أو انحياز أو مفاضلة إنطلاقاً من منظومة قيم تحكمها وترسم مسارها.ـ

حين أعلن هذا قامت الدنيا ولم تقعد وتطايرت الاتهامات بشق الصف ولم يدرك من أطلقها أن الضغط على الكنيسة لم يعد مقبولاً بعد أن خرج شباب الأقباط بالكنيسة للوطن بعد زلزال 25 يناير ولم يكن خروجاً بلا ثمن فقد عُمِّدَ بدم شهداء ماسبيرو وسيكتب التاريخ أن شرارة يناير انطلقت من دماء شهداء القديسين بالاسكندرية. وكانت مواجهات المواطنين العزَّل مع السلطة الغاشمة فى العمرانية بروفة مبكرة للمواجهة الكبرى فى ميادين التحرير.

ومن المضحكات المبكيات ان تمتد الإتهامات الى اتهام الأقباط أنهم وراء تشكيل جماعة الـبلاك بلوك black block الغامضة التى ظهرت بشكل مباغت تحمل معها اسئلة تبحث عن اجابات لا يملكها إلا اجهزة الدولة السيادية والأمنية، وربما تحمل ما يتجاوز التشكيك فى صناعتها بهذا الشكل والإنتشار وظنى ان دائرة التحليل تشتبك مع هذه الأجهزة وتشير اليها همساً وتلميحاً وتحتاج الى مكاشفة وشفافية غابتا عن المشهد.ـ

وفى الخلفية تنطلق قنابل دخان قادمة من مدينة الإنتاج الإعلامى ومن بيانات جماعات قفزت من مواقعها الإرهابية إلى صدارة المشهد تنحر فى الجسد المصرى عبر تهديد الأقباط وترويعهم واستهداف معتقداتهم والتلويح باعادتهم الى مربع الذمية وبأن ما هو اسوأ فى انتظارهم، وتبدى ذلك فى غزوة الدستور التى اغتالت المواطنة قيمة ونصاً وحشدت النصوص بكل ما يفتح الطريق لتحقق حلمهم المتصادم مع حركة التاريخ بإحياء الخلافة العثمانية التى سقطت عام 1923 وكان السقوط صادماً فراحوا يأتلفون فى تشكيل مراوغ لإبتعاثها مجدداً عام 1927، ولم ينتبهوا أن صدامهم مع الحداثة والعولمة مقضى عليه رغم صخب اللحظة.ـ

والغريب أن كل هذا لم تصل رسائله الى النائب العام ليقوم بدوره الوظيفى بتعقبهم باعتبارهم يقوضون وحدة الوطن ويهددون سلامه وهو عين مهمته المكلف بها، والتى تذكرها وهو يتعقب مجموعة البلاك بلوك ومن يروج لها.ـ

يبدو أن من يروعون الأقباط ويضعونهم فى مرمى نيرانهم قطعوا كل صلة لهم بدروس التاريخ، التى تقول بأن استهداف التنوع والتعدد واختزال مصر فى لون بعينه أو فصيل بعينه أو محاولة اختزال الوطن وفرض ما يرونه واقصاء المغاير كانت السبب الأساسى لإنهيار حضارات كانت تبسط سطوتها على العالم يوماً فصارت أثراً بعد عين، ولعلهم يستوعبون ما حدث فى مصر القديمة، كانت نقطة بداية الإنهيار لها مع تولى الملك  أمنحوتب  الرابع ـ أخناتون ـ الحكم والذى قاد إنقلاباً دينياً سحب فيه إعتراف الدولة بغير عبادة أتون (الشمس) وعليه إعتبر العبادات الأخرى غير شرعية وهدم معابدها وطارد كهنتها، فيما أعتبر دعوة للتوحيد وما كانت كذلك، بل هى بداية لثقافة التطرف والإقصاء، وكان يقضى جل وقته بين كهنة أتون وبين أروقة معبده، وفى تدرج متوقع إقترب رجال الدين من الحكم وسيطروا على مفاصل الدولة بل وشكلوا منظومة الحكم، لم يكن لهم خبرة بشئون الحكم ولا فنون ادارة الدولة ولا كيفية التعامل مع العالم ولا فنون حماية استقرار الممالك الخاضعة لمملكتهم المترامية الإطراف، كان ما يميزهم سيطرتهم على شعوبهم بالوازع الدينى وسيطرة المعبد والنص.ـ

فى يقينى أن استهداف الأقباط هو إعلان افلاس ادارة الأزمات المتلاحقة ومحاولة لغسل اليدين من مسئولية سياساتهم المفارقة للخبرة والرؤية، فهل ستظل العيون مفتوحة ولا تبصر والأذان وقد خاصمت السمع؟.ـ

 

وطني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى