جُرح المعونة الأمريكية

 

184

 

قارنت بين تصريحات للرئيسين الراحل جمال عبدالناصر والأسبق حسني مبارك والقائد العام عبدالفتاح السيسي، حول المعونة الأمريكية، فلم أجدها مختلفة، رغم أن بين تلك التصريحات سنوات متباعده تمتد لعقود، المقارنة أدت إلى أن ازداد اقتناعي بأن المواقف التي عبّر عنها الثلاثة، على اختلاف الظروف المحيطة بكل منهم، تمثل قناعة مؤسسة نابعة من مواقف دولة وثقافة شعب.

 

الفريق أول السيسي قال قبل أيام في حواره مع صحيفة الواشنطن بوست: «إذا كانت أمريكا تريد قطع المعونة فأهلا وسهلا، ولكن لا يجب أن تجرح المصريين ، فالحديث بهذه الطريقة يجرح المصريين جدا».

وكنت أعرف عن الرئيس مبارك في السنوات الأخيرة من حكمه، أنه لا يناقش مسائل المعونة الأمريكية أبدا مع أي رئيس أمريكي ، ولا يتطرق إليها في أي اجتماع، ولا يؤكد على التمسك بها، مؤكدا بالمثل على أن هذا أمر يمس كرامة المصريين، وفي حوار سابق له قال: «نحن لا ننظر إلى المعونة الأمريكية على أنها دائمة، والحديث عنها هو نوع من الضغط من أجل أن نسير في فلك إسرائيل، لكن هذا لن يحدث لأننا دولة عربية وإسلامية».

وللرئيس الراحل جمال عبد الناصر أكثر من خطاب يتحدث فيه عن معونات الولايات المتحدة في الستينيات، وقد كانت وقتها لا تزيد على خمسين مليون جنيه، قيمة واردات تموينية: قمح ولحوم ودجاج، وذات مرة خطب وقال: «إن ميزانية الدولة مليار ومائة مليون جنيه ولو اقتضى الأمر أن نوفر خمسين مليون جنيه (ع الجزمة) سوف نفعل»، وفي خطاب آخر قال: «الذي يهددنا بالمعونة يشرب من البحر».

والمعاني في العبارات الثلاث متشابهة جدا، بصياغات مختلفة، توجبها ملامح المناخ العام وطبيعة العلاقة بين مصر والولايات المتحدة في أوقات مختلفة، إن أهم مكون فيها لا علاقة له بالمصالح والمنافع المتبادلة بقدر ما يرتكز أساسا على مكون ثقافي ومعنوي هو «الكرامة المصرية» والاعتبارات الأخلاقية المرفوضة في فهم الولايات المتحدة للمعونة باعتبارها مبلغا من المال يُقدّم من أجل الحصول على مقابل من مصر.

ما لا يستطيع الأمريكيون إستيعابه، وما ليس متناولا في الحديث العام، هو أن هناك نوعا من الإقتناع المصري بأن تلك المعونة حق، لا يجب أن يخضع للتخفيض، أو المنع، لسبب يتعلق بالظلم التاريخي الذي تعرضت له مصر ومختلف الدول العربية من منظومة الإستعمار السابق على عمليات التحرر، وبإعتبار أن الولايات المتحدة ورثت تلك المنظومة ومصالحها في نظام دولي تطور فإن التعويض المستحق لم يُسدَّد بعد.

إن الولايات المتحده الأمريكية لا يمكنها أبدا أن تتجاهل أنها ساهمت في تدمير علاقات الإقليم، ونشوء معادلات لم تكن موجودة في سياق تاريخ المنطقة، حين أكملت مسيرة منظومة المصالح الغربية بتعديل جغرافيا المنطقة خلال عملية تأسيس دولة إسرائيل، التي فرضت على الجميع ما لم يكن في جدول أولوياتها، وأسّست لواقع جديد اقتضى من شعوب العرب أن تخوض حروبا وأن تُنفق من مالها ومواردها في مواجهة هذا الصراع، وكانت الدولة الأكثر معاناة في هذا السياق من حيث عدد الأرواح وقدر الأموال هي مصر.

وقد نشأت المعونة المنظمة عسكريا واقتصاديا في إطار معادلة جديدة في نهاية السبعينيات، حين تم إقرار اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، ولكي توفر الولايات المتحدة حافزا لمأسسة عملية السلام واستمرارها فإنها قررت المعونه لمصر، في ذات الوقت الذي قدّمت فيه معونة مقابلة لإسرائيل، بخلاف بنود أخرى تحصل عليها إسرائيل من الولايات المتحدة بشكل مستمر ومتقطع وتحت مسميات مختلفة، بعضها ضمانات قروض وبعضها تسليح متنوع وتكنولوجيا متقدمة، في إطار العلاقة البنيوية بين إسرائيل والولايات المتحدة.

في فترات مختلفة، تحدثت أطراف أمريكية عن تقليص المعونة وتخفيضها أو منعها، لكن هذا إصطدم دائما بأن مصانع السلاح في الولايات المتحده لديها مصالح حقيقية في استمرارها، باعتبار أن مصر مشترٍ مهم يحصل على البضائع الممولة صفقاتها من تلك المعونة، وفي أوقات أخرى كانت دول عربية تتعهد لمصر بأنها يمكن أن تعوض إنقطاع المعونة الأمريكية إذا كان هذا سوف يؤثر على القرار المصري، وهو بديل مهم وإستثمار عربي حقيقي في القوة العسكرية المصرية، غير أنه تبقى مسألة أن مصر لديها منظومة تسليح تحتاج إلى التكنولوجيا الأمريكية وقطع الغيار التي تُبقي تلك المنظومة فعالة.

لقد ثبت خلال العامين الماضيين أن هناك وعيا حقيقيا وعريقا لدى المؤسسة العسكريه بأن اللحظة التي سوف تنقطع فيها المعونة آتية لا محالة، مهما طال الوقت، أو كما قال مبارك: «المعونة ليست دائمة».. ذلك أن إقتصاديات القوات المسلحة تعرضت لحملة ضارية من أصوات مصرية مرتبطة بطريقة التفكير الأمريكية.. ثم تبيّن للجميع أن تلك الأنشطة المالية والأعمال الإقتصادية للجيش هي أحد أهم موارده لتوفير الإحتياج الإستراتيجي للتمويل إذا ما واجه ضغطا معينا في لحظه سوف تأتي.

إن ارتباط المعونة في الذهنية المصرية بمعنى الكرامة، وفي ذات الوقت بالمظلومية التاريخية، يدفع الكثيرين للحديث عن وجوب رفضها، وعدم القبول بالتهديد بمنعها من الولايات المتحدة، لكن هذه الجوانب العاطفية والثقافية يجب أن يُنظر إليها في ضوء محددين أساسين، سواء في القاهرة أو في واشنطن:

* تمثّل المعونة العسكرية الأمريكية بندا غير منظور في إتفاق السلام المصري الإسرائيلي، وهي أحد أهم مكونات الرعاية الأمريكية لهذا الإتفاق الذي أسس لمنظومة الأمن الإقليمي الثابتة حتى الآن. ويعني قطعها أو منعها أو العبث بها أن الولايات المتحدة تلغي أحد أهم مقومات الاتفاقية.. ومن ثَم تهدد إستقرارها وتنقل العلاقات مع مصر ومنظومة الأمن الإقليمي إلى مرحلة أخرى.

* تعني المعونة الأمريكية لمصر شهادة دولية بإنضواء الدولة المصرية في نسق النظام الدولي، الذي له قواعده ومعاييره، ومن ثَم فإن مختلف المصالح الناشئة عن ذلك.. بما في هذا معونات تقدمها قوى أخرى وإستثمارات وتمويلات.. مرتبطة بوجود شهادة الضمان تلك. وتعني الحالة المعاكسة الإنتقال إلى موقف آخر مختلف تماما له تبعاتة.

للموضوع جانبان في أي من زوايا تناوله، ويجب التفكير فيه دائما من ناحيتين: الكرامة والضغوط، الحق والمستحق، المصلحة المصرية والمصلحة الأمريكية، بديل واشنطن وبديل القاهرة، الأمن القومي المصري والأمن القومي الأمريكي، منظومة الأمن الإقليمي ومنظومة الأمن الدولي.. ما يجعل من المعونة الأمريكية لمصر أمرا معقدا جدا..

التهديد الأمريكي بمنعه لا قيمة له، أو على الأقل له آثاره السلبية العميقة، والترفّع المصري عنه ترف لم يحن وقته بعد.

 

مبتدا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى