أين نحن من القواعد العسكرية الأمريكية؟

تنتشر القواعد العسكرية الأمريكية فى العالم، وتغطى تلك القواعد للأسف الشديد الجزء الأكبر من العالم العربى، ولا أظن أن هناك عاقلاً ينكر ذلك، وليس هناك عاقل أيضاً لا يدرك أخطاء وأخطار إقامة مثل هذه القواعد فى بلادنا. ولا ينكر عاقل أيضاً أن الفعل أو حتى رد الفعل تجاه هذا الخطر البارز ضعيف للغاية؛ ضعيف على مستوى منظمة المؤتمر الإسلامى، وضعيف على مستوى جامعة الدول العربية، وضعيف حتى على مستوى المؤسسات الكبيرة فى الأمة، ومنها الحكومات والأحزاب السياسية والبرلمانات ومجالس الشورى والمدارس الإسلامية والجامعات واتحادات العمال والنقابات المهنية وكيانات ومؤسسات عمرها أكثر من ألف عام مثل الأزهر، حتى مؤسسات المجتمع المدنى.
وزاد هذا الضعف أن الشعوب العربية لاهية فى شئونها الخاصة، والمشكلات والتحديات التى لا تكاد تنتهى. ومنها ما يخترعه لنا الأمريكان والصهاينة والأزمات المستمرة يوماً بعد يوم. أما الدول العربية الغنية، أقصد النفطية، فأصبح أقصى همة معظم شبابها التنافس فى التغريب وحياته، المعلوم فيه وغير المعلوم، ومن ذلك الإغراق أو الاستغراق فى الكماليات والتقليد والاستهلاك بعيداً عن الإنتاج الفاعل وبعيداً عن الإبداع والاختراع إلا قليلاً.
ولكن اللافت للنظر ألا تتكلم المساجد مثلا فى هذه القضية الهامة، وتنشغل بالهم المحلى، مهما أحاط حول رقبتها خطر القواعد العسكرية الأمريكية، التى لم يعد هناك أى مبرر لبقائها فى الخليج أو فى العالم العربى عموما، ولم يكن هناك أصلا أى مبرر لمجيئها أو الاستعانة بها ضد حاكم أو حكام حتى وإن ملأوا الدنيا ظلماً، لأن أمريكا أظلم منهم جميعاً فى ظنى، وهى التى دعمتهم، خصوصاً بعد الهيمنة والانفراد بقيادة العالم وفرض النظام العالمى الجديد.
لم نشهد مؤتمرات ولا ندوات ولا تخطيطات ولا إعلاميات كتابةً أو تلفزةً، ضد هذا الخطر الداهم.
أتساءل كثيرا مع غيرى ممن يعنيهم هذا الأمر ويؤرقهم: لماذا هذه السلبية ضد هذا الخطر؟ هل المال له دخل؟ هل العقيدة لها دخل؟ من له دخل فى هذا الخطر؟ هل تستطيع بلادنا حتى بعد ثورات الربيع العربى أن تعمل بإيجابية وروح تنموية فى وجود هذا الخطر؟
أستعيد هنا ما قاله الشيخ محمد الغزالى (رحمه الله تعالى) فى كتابة الصغير القيم «مشكلات فى طريق الحياة الإسلامية»، حيث قال: «وقف سائح مسلم ينظر إلى الأندلس طويلاً، ثم قال: لقد كان للمسلمين هنا دولة عندما كانوا لله خلائف، وضاعت تلك الدولة عندما أصبحوا على ثراها طوائف»، كلمة عظيمة تحمل قيماً راقية، من أهمها الوحدة الإسلامية كما يقول القرآن الكريم، وهو قول واضح يفسر معنى قوله تعالى: «إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ»، وحديث الرسول (صلى الله عليه وسلم): «مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسم بالسهر والحمى. أو بالحمى والسهر»، أو كما قال النبى (صلى الله عليه وسلم).
استوقفنى هنا قول الله (تبارك وتعالى): «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ۚ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ».
هناك من يعارض أهم حقائق هذا القول القرآنى، فيبحث عمن هم أكثر وأشد عداوة، حتى من اليهود والذين أشركوا، وللأسف الشديد وجدوا ذلك فى كل من ينتسب إلى الشيعة. بسبب بعض الخلافات الفقهية والمذهبية التى نقلوها إلى ميدان العقيدة، ليسهل التكفير ويقف على أرجل ثابتة ولو كانت فاسدة. وبدلاً من أن يعقد بعض السلفيين فى مصر مؤتمرات وندوات لتحقيق مناط هذه الآية وتوضيح أخطاء وأخطار من هم أشد عداوة لمن آمنوا، ومن هم أقربهم مودة، كما جاء فى القرآن – نراهم يقيمون الندوات والمؤتمرات للتخويف من الشيعة وتكفيرهم، والتخويف من السياحة الإيرانية والضغط على المسئولين، وعمل مظاهرات أمام منزل القائم بالأعمال الإيرانى، ذلك السفير المجاهد الذى يبذل جهداً كبيراً، ويتوق إلى عودة العلاقات الكاملة بين مصر وإيران كما هى بين الخليج وإيران، أو كما هى بين مصر وإسرائيل للأسف الشديد، التى تحتل أرضنا ويرفرف علمها فى القاهرة العظيمة علينا.
وما أجمل ما قاله سيد قطب (رحمه الله تعالى) عند تفسير هذه الآية من سورة الأنعام! حيث قال فى صفحة 961 من المجلد الأول من «الظلال»: «لقد كانت الحرب التى شنها اليهود على الإسلام أطول أمداً، وأعرض مجالاً من تلك التى شنها عليه المشركون والوثنيون -على ضراوتها- قديماً وحديثاً.. إن المعركة مع مشركى العرب لم تمتد إلى أكثر من عشرين عاماً فى جملتها، وكذلك كانت المعركة مع فارس فى العهد الأول. أما فى العصر الحديث فإن ضراوة المعركة بين الوثنية الهندية والإسلام ضراوة ظاهرة، ولكنها لا تبلغ ضراوة الصهيونية العالمية».
لقد كان من أجمل ما فعله الإمام الخمينى (رحمه الله تعالى) أن يطرد السفير الإسرائيلى من طهران فور الثورة العظيمة، ويعطى السفارة للفلسطينين. لا يوجد هناك فى العالم العربى كله من فعل ذلك إلا الشيعة، ولم يتقدم تقنياً فى الميدان النووى مثلهم. لا يصح أبداً فى ضوء العدل والإنصاف الواجب حتى مع من نكره أن ننقل الخلافات السياسية والمذهبية إلى ميدان العقيدة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن المقاطعة والتدابر لا يحلان المشكلات، بل الحوار الجاد المستمر.
والله الموفق
الوطن





