فضيحة تجسس جديدة وليست أخيرة

 

92

 

 

 

فضيحة جديدة أشغلت الدوائر السياسية في العالم مؤخراً ولا تزال، تناقلتها عدد من الصحف ووكالات الأنباء حول وثائق تؤكد ضلوع الولايات المتحدة بالتجسس على قيادات دول صديقة في جميع أنحاء العالم خاصة دول الاتحاد الأوروبي الأكثر قرباً إليها.

المتضرر الأول من عملية نشر هذه الوثائق هي الولايات المتحدة التي تشهد علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي بعض التراجع والبرود الذي لا يخلو من التوتر وتتعرض سمعتها الدولية لبعض التعريض. فقد ورد على لسان المستشارة الألمانية الغاضبة كرد فعل على استهدافها بعملية التجسس بأن «ما حدث لا يجوز أن يحدث بين الأصدقاء».

ولعل الراصد لم يغب عنه ملاحظة مدى الإحراج الذي واجهه الرئيس الأميركي أوباما وهو يعتذر ويدعي عدم علمه بالتجسس على مكالمات المستشارة الألمانية الهاتفية حين هاتفته غاضبة..

أو حين حضر الجلسة الافتتاحية للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك مؤخراً واستمع إلى كلمة رئيسة البرازيل ديلما روسيف وهي تنتقد بأسلوب بالغ القسوة ما قامت به الولايات المتحدة من تجسس على بلادها وعليها شخصياً، وقد ألغت زيارتها التي كانت مقررة للولايات المتحدة في الثالث والعشرين من أكتوبر المنصرم.

إلا أن الرئيس الأميركي تجاهل كل ذلك ولم يتردد، في الكلمة التي ألقاها مباشرة بعد كلمة الرئيسة البرازيلية، في الدفاع عن برنامج التجسس الذي تنفذه بلاده مُعتبراً إياه السبب في جعل العالم أكثر استقراراً وأمناً مما كان عليه قبل بضعة أعوام. ولسنا هنا بصدد مساءلة الرئيس الأميركي كيف أن التجسس على هواتف أقرب أصدقائه وحلفائه وإحصاء حركاتهم وسكناتهم يعزز السلم والأمن العالميين، ويعزز من القدرات في محاربة الإرهاب الدولي؟.

التجسس نشاط من أقدم الأنشطة التي ما

رسها الإنسان لضمان أمنه وتحقيق مصالحه أو مصالح قبيلته أو حزبه أو بلده حسب طبيعة الظروف المحلية والإقليمية. وفي الوقت الذي كان فيه التجسس عملية بدائية محدودة تقتصر ممارستها في زمن الحروب ولا تتعدى في أبعادها الرصد البصري لتحركات العدو أصبح في عصرنا الحالي علماً معقداً قائماً بذاته يمارس على مدار الساعة ..

ويتطلب توظيف قنوات معرفية عديدة وتوظيف القدرات اللغوية بألسنة ولهجات مختلفة واستخدام الوسائل التكنولوجية المتطورة التي يصعب الكشف عنها للحصول على معلومات تتعلق بالواقع الاجتماعي والاقتصادي والفكري والنفسي في الدول الأخرى والتعرف على دقائق ما يحيط بعالم الأعمال وبحياة الشخصيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية من أسرار بغية توظيفها في وضع الاستراتيجيات أو استخدامها عند الضرورة لأغراض أخرى.

التجسس نشاط تمارسه جميع الدول بلا استثناء كجزء من حماية أمنها القومي، وفي هذا شرعية تراها الدول إلا أنها شرعية غير مُعلنة لأنه لا يوجد قانون دولي يشير من قريب أو بعيد إلى هذا النوع من الأنشطة وإلى شرعيتها أو عدم شرعيتها.

في ضوء ذلك يُعتبر ما تقوم به الولايات المتحدة، التي تفترض أن أية بقعة على سطح الأرض وأي موقع في الفضاء الخارجي هو جزء من أمنها القومي، ليس بالعمل غير الطبيعي بل تمليه الرؤية الأميركية للنظام العالمي ويمليه دورها في إدامة أبعاد هذا النظام من أجل البقاء كقوة عظمى وحيدة في العالم.

لو عدنا بضع سنوات إلى الوراء منذ بدأ ويكيليكس تنشر الوثائق السرية الأميركية وصولاً إلى النشر الذي بدأ بعد أيام قلائل من منح الموظف السابق في وكالة الأمن القومي الأميركي إدوارد سنودن اللجوء المؤقت في روسيا لوجدنا أن ثمة ما يستوقفنا في هذا الصدد. فإذا كان نشر وثائق ويكيليكس قد تم بإرادة صاحب الموقع جوليان أسانج إلا أن نشر وثائق أدوارد سنودن تبدو بأنها ليست بالضبط كذلك.

الغرض من نشر هذه الوثائق هو بكل تأكيد هدف سياسي إذ يبدو أن هناك خطة مدروسة وفق جدول زمني لنشر بعضها ومتابعة ردود الأفعال قبل أن تنشر دفعة أخرى. فها نحن نشهد نشر دفعة ثانية من وثائق أدوارد سنودن لتثير زوبعة أقوى من التي سبقتها قبل فترة قصيرة.

فالوثائق الجديدة التي نشرتها صحيفة الغارديان اللندنية تؤكد أن الولايات المتحدة تتجسس على خمسة وثلاثين من قادة العالم وأن وكالة الأمن القومي الأميركي ترصد المكالمات الهاتفية التي تجريها المستشارة الألمانية مع تسرب معلومات من مصادر أخرى بأن عملية التجسس على هاتفها بدأت منذ عام 2002. وكانت صحيفة لوموند الفرنسية قد نشرت أيضاً أن الحاسوب الخاص بالرئيس الفرنسي قد تم اختراقه من قبل أجهزة التجسس الأميركية.

اً التي بدأت الولايات المتحدة باعتمادها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 تفضي دون شك إلى التعرف على تفاصيل كثيرة تتعلق بشبكات ضالعة في الإرهاب بشكل مباشر أو غير مباشر، تنظيمياً أو مالياً أو إعلامياً أو غير ذلك.

وقد يساعد ذلك على تنفيذ عمليات استباقية لإجهاض عملية إرهابية محتملة وهذا ما تتحجج به الإدارة الأميركية وتبرر إقدامها عليه. إلا أن لذلك جانباً آخر يخدم الولايات المتحدة ومؤسساتها الاقتصادية ويلحق الضرر بمصالح دول أخرى

. فالمعلومات التي تحصل عليها الولايات المتحدة خاصة ما يتعلق بالصناعات النفطية والصناعات العسكرية والتجارية والمالية حين توضع، وليس هناك من حيث المبدأ ما يمنع ذلك، تحت تصرف الشركات الأميركية فذلك يساعدها على الدخول في صفقات منافسة لنظيراتها في الدول الأخرى والفوز في هذه الصفقات.

ثمة أمر آخر جدير بالملاحظة في سياق فضيحة التجسس وهو مدى التفوق الذي تمتلكه الولايات المتحدة على حلفائها الأوروبيين في إعداد البرامج المعقدة في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

فمن البديهي أن يكون لدول مثل ألمانيا وفرنسا اللتين كان رئيسيهما ضحية للتجسس وسائل دفاعية للكشف عما يهدد أمنهما المعلوماتي إلا أن ذلك لم يحدث فما لديهما من وسائل لمكافحة التجسس لم يفلح في الكشف عن عملية التجسس الأميركي على الرغم من أن عملية الاختراق قد حدثت منذ أكثر من عشر سنوات لهاتف المستشارة الألمانية واستمرت منذ ذلك الحين.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى