الإعلام والطبلية الخاوية من الزفر!!

جلس الأسطى خليل إلى جوار الست حرمه على الأرض وهما يحاصران الطبلية وقد عمرت بما لذّ وطاب من طعام العشاء الذى اعتاد خليل أن يختتم به يومه الشاق الذى يطويه طيًّا فى ورشته الصغيرة المتخصّصة بشكل حصرى فى إصلاح أجهزة التليفزيون التى تنفجر فى وجوه مشاهديها ممن سوّلت لهم أنفسهم أن يلقوا نظرة على محطات فضائية أشبه بالكهوف المعتمة شديدة الوحشة والانغلاق.. يعتليها قوم غلاظ يجهلون الحديث فى أى شىء.. وأول ما يجهلونه هو الدين! وهم مصرّون على أنهم حاملو لواء الإسلام.. يصدّرون أنفسهم كدعاة.. ويرون فى خطابهم ملكات إعلامية نافذة إلى القلوب والعقول، بصرف النظر عن كونهم فاقدى كل علامات السماحة والقبول التى اعتاد عليها المصريون فى وجوه دعاة ومشايخ الأزهر الشريف، أما هؤلاء فقد حباهم الله بقسط وفير من ثقل الظل وتجلّط الدم وخشونة الطالع والمفاصل! والمدهش أنهم مهما حاولوا أن يستظرفوا.. نجدهم وقد تناثرت منهم شلالات من غلاسة وغتاتة تفقع مرارة المشاهد، فيُصاب على الفور بحموضة فى المعدة وينتابه إحساس جارف بالغثيان مع ميل شديد للقىء..! أما أجهزة التليفزيون فتعلوا درجة حرارتها إلى الذروة لتنفجر فى النهاية فى وجوه المشاهدين التعساء.. ومن هنا ينفتح باب الرزق لعم خليل وورشته المبختة.. فمصائب قوم عند قوم فوائد.. أو «سبّوبة» بلغة الأيام الغبرة التى نعيشها!
وكان يحلو للأسطى خليل كل ليلة أن يحكى للست حرمه عن طرائف حكايات زبائنه اليومية، حيث كانوا يشكون له بإسهاب ويصفون تفاصيل ما حدث لأجهزة تليفزيوناتهم التى تذهب ضحيّة لحوارات كانت تُدار بالتهديد والوعيد والكذب.. وجحظ وتبريق العينين، وإمطار الشاشة بسهام الأصابع والسبّابات..! فتنطلق فجأة وتطير إشارة طائشة من سبّابة أحد الضيوف المتشنّجين.. وترشق فى عين زوجة الزبون وهى تقلّب فى المحطات لتقع فى هذا الفخ على سبيل الخطأ.. وتطير عينها كما تطير الشاشة أيضًا وتنفجر..!
كان خليل يحكى كل ليلة عن مصائب زبائنه التى تعود عليه دائمًا بفتح باب الرزق.. وكان ينهى حكاياته مع آخر لقمة يبتلعها فى جلسة العشاء والنميمة.. بعدها يرفع يديه بالدعاء للإخوان وحكم الإخوان ورئيس الإخوان وحكومة الإخوان وإعلام الإخوان المكتسح الساحة بانفجار الشاشات وحرق الترانزيستورات.. وهو ما يدر عليه أموالًا تعمّر له طبليته بعشوة من الزفر المتين!
واستمر الحال هكذا إلى أن أحس خليل بانخفاض أعداد المترددين عليه من الزبائن.. إلى أن تلاشوا تمامًا من ورشته الصغيرة.. وراح يعسعس هنا وهناك ليشتم خبرًا يبرر له أسباب عدم انفجار شاشات التليفزيونات.. رغم أن السباب مستمر.. وجحظ العيون على أشدّه، والحماية قائمة لهم على قدم وساق! إذن ما السبب؟ كيف تحصّنت الشاشات فجأة وأصبحت غير قابلة للانفجار..؟!
وجاءته الإجابة على غير موعد.. حين دخل عليه فى ورشته رجل غليظ مقّفهر الوجه يتطاير الشرر من عينيه ويحمل على كرشه جهاز تليفزيون كبير الحجم فيلقيه أرضًا وهو يصرخ: قوم شوف لى الزفت ده صوته واطى ليه.. مش قادر أسمع الشتيمة كويس! أنا عايز مكبرات صوتية.. خلّينى أستمخ.. عطشان بذاءة.. جعان تهديد..!
وفى المساء، جلس خليل يضحك هو وزوجته أمام باسم يوسف، ثم أخذ يوجّه الريموت لينتقل إلى لميس الحديدى، ومنها إلى إبراهيم عيسى، ثم وائل الإبراشى، ثم محمود سعد والدكتورة منال عمر، ثم جابر القرموطى، ومنه إلى ريم ماجد، وشريف عامر، ومنى الشاذلى..
رفع خليل يديه للسماء وهو يردّد بصوت عالٍ.. عمار يا مصر.. عمار يا مصر..
التحرير






