العمل السياسي داخل الجامعات المصرية

لم تكن الجامعات المصرية بمنأي عن حالة الانقسام المجتمعي والاحتقان والاستقطاب السياسي الحاد الذي تشهده الدولة المصرية منذ تظاهرات 30 يونيو 2013 وتبعاتها، والتي أفضت إلى عزل الرئيس السابق محمد مرسي في 3 يوليو الماضي، فأضحت فعاليات الجامعة الطلابية نموذجًا مصغرًا لما يحدث خارج الحرم الجامعي ما بين مؤيد ومعارض للإخوان وقيادة الجيش التي رسمت خريطة طريق لمصر ما بعد مرسي، إذ تصدر الانفلات الأمني والعنف طبيعة المشهد الجامعي منذ بدء العام الدراسي الجديد، الأمر الذي يثير التساؤلات الجدلية بشأن كيفية تحقيق الأمن والاستقرار داخل الجامعات، اللازمين لجودة العملية التعليمية، بما لا يمثل قيدًا على حق ممارسة الطلاب للعمل السياسي داخلها، فالجامعة في أي دولة من دول العالم تلعب دورًا في تكوين الوعي السياسي والفكري لدي الطلاب، وتمثل حاضنة مهمة للمشاركة في عملية صنع القرار والتنشئة السياسية وأبجديات العمل العام.
الجامعات المصرية بين الحراك السياسي والانفلات الأمني
العمل السياسي داخل الجامعات: احتمالات المنع والتقييد
السياسة داخل الجامعات.. حق يستوجب التنظيم
الجامعات المصرية بين الحراك السياسي والانفلات الأمني
جاءت بداية العام الجامعي الجديد 2013/2014 في ظل مشهد سياسي تسوده أجواء غير مسبوقة من الكراهية والعنف والانقسام والاستقطاب الحاد بين طرفي المعادلة السياسية في مصر، المؤيد للشرعية والرافض لما أسماه بالانقلاب العسكري والمؤيد لعزل مرسي وخارطة الطريق التي وضعهتا القيادة العامة للقوات المسلحة، الأمر الذي ألقى بظلاله على الأوضاع داخل الجامعات المصرية، فقد شهد شهر سبتمبر وفق تقرير المركز التنموي الدولي الكثير من التحركات الطلابية والتي بلغ عددها داخل الجامعات نحو 146 حالة احتجاج، كانت جامعة القاهرة متصدرة المشهد بواقع 22 حالة احتجاج، تلتها جامعة عين شمس بـ13 احتجاج، بينما بلغ عدد الاحتجاجات بين طلبة التعليم الأساسي نحو 73 حالة احتجاج، في حين بلغ عدد الاحتجاجات بين خريجي التعليم ما قبل الجامعي والذين لديهم مشاكل في الالتحاق بالتعليم الجامعي نحو 14 حالة احتجاج.

وأكد ذات التقرير أن نحو 60% من الاحتجاجات الطلابية داخل كافة المراحل التعليمية خلال شهر سبتمبر الماضي تعود إلى أسباب سياسية بالأساس، أبرزها حالة الاحتقان السياسي بين الطلاب الرافضين لما قام به المجلس العسكري والمطالبين بعودة محمد مرسي للحكم ونظرائهم من مؤيدي عزل مرسي وداعمي خارطة الطريق، بنحو 94 حالة احتجاج، بالإضافة إلى المطالبة بالإفراج عن الطلاب المعتقلين بواقع 30 حالة احتجاج، ورفض منح الضبطية القضائية للأمن المدني داخل الجامعات بواقع 18 احتجاجًا، في حين نظم مؤيدو عزل مرسي بعض التظاهرات المؤيدة للفريق السيسي وخارطة الطريق، وإشار التقرير إلى إن نحو 40% من الاحتجاجات الطلابية خلال الشهر الأول من العام الدراسي تعود إلى أسباب تتعلق بالعملية التعليمية ذاتها لاسيما تسكين الطلاب المغتربين أو بعض الشكاوى النوعية الأخرى.

وفي ظل هذه التحركات والتظاهرات الطلابية، وفي ظل المشهد السياسي المشحون والمحتقن داخل الجامعات وخارجها، وقع الكثير من أحداث العنف والانفلات الأمني داخل أروقة الجامعات المختلفة في مصر، فقد رصد تقرير أخر للمركز التنموي الدولي نحو 24 حادث اشتباك داخل الجامعات المصرية في الفترة من أول سبتمبر إلى 6 أكتوبر 2013(1)، ما أدى إلى إصابة الكثير من الطلاب إصابات مختلفة، أخذًا في الاعتبار إن جامعة الأزهر إحدى كبريات الجامعات المصرية تأخر بدء الدراسة فيها نحو شهر كامل لاعتبارات وصفت بالإدارية، ومن ثم فإن بدء الدراسة بها والذي تم بالفعل في 19 أكتوبر الجاري يعني مزيدًا من الاحتجاجات الطلابية التي قد يشوبها العنف، وهو ما حدث بالفعل لاسيما في فرع الجامعة بمدينة نصر بالقاهرة.
العمل السياسي داخل الجامعات: احتمالات المنع والتقييد
عقب حراك 30 يونيو، شهدت مصر الكثير من التظاهرات وأحداث العنف بين أطياف المجتمع المصري، والتي كان لها انعكاس على المجتمع المصغر داخل الجامعة التي تضم تيارات سياسية متعددة ومتنوعة، ومن ثم ظهرت الكثير من البوادر التي تؤكد بشكل أو بآخر أن هناك اتجاهًا يسعى إلى تقيد أو حظر العمل السياسي داخل الجامعات، وتمثلت أهم مظاهره في ظهور الكثير من التكهنات التي تؤكد على عزم الحكومة الانتقالية منح الأمن الإداري بالجامعات حق الضبطية القضائية، من أجل حماية منشأت الدولة والقبض على الخارجين على القانون، وقد أثارت هذه التكهنات حفيظة طلاب الجامعات اللذين اعتبروا ذلك عودة للدولة البوليسية التي عانوا من سياستها القمعية لعقود، كما رأوه سلبًا للحريات التي أتيحت لهم عقب ثورة 25 يناير المجيدة.
وعلى الرغم من مسارعة مجلس الوزراء إلى نفي هذا الأمر إلا إنه أعيد إلى الواجهة مرة أخرى من خلال ما أعلنه رئيس الوزراء حازم الببلاوي يوم 10 أكتوبر الجاري، من عدم استبعاده منح الضبطية القضائية للأمن المدني بالجامعات لاسيما مع تزايد أعمال العنف والانفلات، مؤكدًا إن هذا الإجراء لن يتم تطبيقه إلا بناء على طلب رؤساء الجامعات أو وزير التعليم العالي باعتباره المسئول سياسيًا عن ذلك(2).
وفي سياق متصل كانت بعض وسائل الإعلام قد سلطت الضوء على ضرورة موافقة الطالب الملتحق بالمدن الجامعية، على المادة (31) من قانون المدن الجامعية، والخاصة بـ”الإخلاء النهائي لكل من اعتصم أو اشترك في المظاهرات أو حرض عليها”، بيد أن إدارة جامعة القاهرة سارعت بإلغاء تلك المادة(3) لكسب ود الطلاب وإزالة مخاوفهم بشأن عودة الممارسات البوليسية داخل الحرم الجامعي مجددًا.
وفي ظل تزايد حالات العنف بالجامعات وعجز الأمن الإدارى عن التعامل معها، تجدد الحديث عن ضرورة إعادة الحرس الجامعي التابع للشرطة والذي حكم القضاء بإلغائه في أكتوبر 2010، باعتباره يشكل انتهاكًا لاستقلالية الجامعات المصرية، وتم إلغاؤه فعليًا عقب ثورة 25 يناير، ومؤخرًا سادت حالة من التباين بشأن ضرورة إعادة النظر في قرار الإلغاء سالف البيان، فأيده ممثلو أساتذة الجامعات بلجنة الحوار المجتمعي بلجنة الخمسين، شريطة عدم التدخل في الشأن الجامعي الداخلي أو التعرض للمظاهرات السلمية(4)، في حين رفض اتحاد طلاب مصر عودة الحرس الجامعي التابع للداخلية، والتأكيد فقط علي دور الداخلية في حفظ الأمن خارج الجامعات(5). أما جامعة الأزهر التي كانت قد أعلنت تأجيل الدراسة بها إلى 19 أكتوبر، فإنه قد أصدرت قرارًا يقضي بمنع الطلاب والأساتذة من ممارسة العمل السياسي داخل الحرم الجامعي، والحفاظ على قدسية الجامعة باعتبارها مكانًا للتعلم، وقصر حق التعبير عن الرأي فيما يتعلق بشئون الجامعة والعملية الطلابية فقط(6).
السياسة داخل الجامعات.. حق يستوجب التنظيم
ولعل التساؤل الذي يطرح نفسه بشده في هذا السياق؛ هل يمثل تقييد العمل السياسي أو حظره داخل الجامعات الحل الوحيد من أجل الحفاظ على أمن واستقرار العملية التعليمية داخلها، أم إن هناك حلولاً أخرى من الممكن أن تحافظ على الأمن والاستقرار من دون التأثير على هذا الحق، وهل سيقبل الطلاب الجامعيون بحظر أو تقييد حق طالما استمروا في الدفاع عنه لعقود عديدة وتمكنوا من إتاحته بحرية غير مسبوقة عقب ثورة 25 يناير.
تؤكد الخبرة التاريخية للحركات الطلابية إنه على الرغم من حملات التضيق والحصار الأمني للعمل الطلابي داخل الجامعات إلا إنهم طالما لعبوا دورًا كبير على الصعيد السياسي في مصر، بدءًا من الاحتلال البريطاني ودورهم المشهود في مقاومته من خلال المشاركة في العديد من الفعاليات الوطنية كثورة 1919، وانتفاضة فبراير 1946 والتي تمثل تتويجًا للطلاب إذ قام البولس بمحاصرتهم على كوبري عباس وكانت المحصلة سقوط الكثير من القتلى والمصابين، وساهموا في إقامة الحياة الدستورية من خلال دستور 1923، كما لعب الطلاب دورًا كبيرًا في عهد الرئيس عبد الناصر إذ أيدت الحركات الطلابية محمد نجيب خلال أزمة مارس 1954، إلى أن قام عبد الناصر بوضع مزيد من القيود على العمل السياسي للطلاب، ومع هزيمة 1967 بدأ دور الحركات الطلابية في التعاظم مجددًا، حيث عمدت خلال تلك الفترة إلى الخروج من عباءة الاتحاد الاشتراكي والتحرر من قيوده الإيديولوجية.
وفي عهد السادات أتيح للطلاب العمل السياسي من خلال لائحة 1976، لكنها حظرت أي عمل طلابي خارج الاتحاد الاشتراكي، وعقب مشاركة الطلاب في انتفاضة الخبز عام 1977 الرافضة للسياسات التي تتبنها الحكومة قام السادات بالحظر الكامل للعمل السياسي داخل الجامعات، من خلال مقولته الشهيرة “أنا بقول إضراب، اعتصام، تعطيل للدراسة، عمل البلطجة إللى بيتم داخل حرم الجامعة ممنوع، استغلال المادة المتفجرة في الشباب إللى هما الطلبة لا، لا يجب أن تكون في الجامعة مرة أخرى أبدًا، رسالة المعاهد التعليمية هي العلم، مفيش اجتماعات سياسية داخل الجامعة إطلاقًا، اللي عايز يشتغل سياسة يروح يدور على الحزب إللى هو عايزه بره”(7)، وقام بإصدار اللائحة الطلابية أو ما تسمى في الأوساط الجامعية بلائحة أمن الدولة عام 1979، إلى أن جاء الرئيس المخلوع حسني مبارك وقام بتقيد العمل السياسي بشكل كبير من خلال حملات الاعتقالات المستمرة للطلاب، وتعظيم وجود أمن الدولة داخل الجامعات والذي لعب دورًا كبيرًا في تكميم الأفواه وتقييد الحريات.
ولأن شباب الجامعات يتسمون بقدر كبير من الثورية والحماسة بحكم السن والتكوين العلمي والثقافي، فقد ساهموا بدور كبير في ثورة 25 يناير، والتي تمتعت الجامعات على إثرها بقدر كبير من الحرية من خلال إقامة الكثير من التظاهرات والمسيرات لاستكمال أهداف الثورة والمطالبة بإسقاط رموز مبارك في كافة مفاصل الدولة، وتمكن الطلاب من إقالة رؤساء الجامعات المحسوبين على الحزب الوطني المنحل، وطالبوا بإلغاء جميع العقوبات التعسفية التي كانت قد صدرت بحق الطلاب، بجانب ضرورة مكافحة الفساد المالي والإداري داخل الجامعات(8).
خلاصة القول؛ إن الجامعات المصرية تعانى بحق من أزمة ثقة بين الطلاب والإدارات الجامعية من ناحية، وبين الطلاب والأمن لاسيما الحرس الجامعي في عهد مبارك الذي قيد حريتهم لسنوات طويلة من ناحية أخرى، ومن ثم فإن عودة الأمن والاستقرار داخل الجامعات لن يتحقق من خلال تقييد العمل السياسي أو حظره، وإنما يتحقق من خلال إيجاد تواصل بناء بين الدولة والطلاب لبناء الثقة بين الطلاب والإدارات الجامعية من خلال وضع ميثاق شرف جامعي يؤكد على احترام حقوق وحريات الطلاب المكفولة قانونًا ودستورًا، كما يؤكد في المقابل على احترام الطلاب لقدسية الحرم الجامعي، بجانب تطبيق العقوبات بحزم على أي خروج على القانون بصرف النظر عن انتماءات مرتكبيه السياسية، فالتظاهر والعمل السياسي حق مكفول للجميع، ومن يخالف ضوابطه الحاكمه يعاقب، وإخيرًا فإنه من الأهمية بمكان في هذا السياق مشاركة الطلاب في وضع لائحتهم الطلابية بالتوافق بين الجميع حتى تمثل جميع الأطياف والتيارات وبما يصب في الأخير لصالح مشاركة طلابية فاعلة وواعية في العمل العام، فشباب اليوم هم عماد المستقبل وقادة الغد.
المصري اليوم






