سبب إندلاع الاضطرابات الأخيرة

اعتبرت مجلة ” فورين بوليسي” الأمريكية أن زيف الديمقراطية التركية السبب الحقيقي الكامن وراء اندلاع الاضطرابات التي تشهدها تركيا حاليا.
واستنكرت المجلة – في تحليل أوردته على موقعها الإلكتروني اليوم الاثنين – أن يكون السبب وراء هذه الاضطرابات، التي تعد أكبر تحد حقيقي يواجه رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان خلال أكثر من عقد له في السلطة، هو مجرد حركة احتجاجية على محاولة تحويل حديقة جيزي بارك التاريخية، الواقعة في ميدان تقسيم بوسط إسطنبول، إلى مركز تجاري وثقافي.
ورأت المجلة أن الاحتجاجات، التي اتسمت بمشاهد لا تصدق من هتاف المتظاهرين بإقالة أردوغان وحكومته وتعامل الشرطة التركية بطريقة وحشية لقمع هذه المظاهرات من خلال استخدام الغاز المسيل للدموع والعصى، هي ذروة لتنامي السخط الشعبي من نهج السياسة التركية الأخير.
وقالت ”المشكلة الفعلية تتمثل في كيفية تضييق حزب ”العدالة والتنمية” الحاكم الخناق على المعارضة التركية، ولكن بطريقة تضمن بقاء ذلك الأمر ضمن حدود الديمقراطية ”.. مشيرة إلى أن تركيا في ظل حكم العدالة والتنمية تعد حالة نموذجية للديمقراطية الجوفاء – على حد وصفها .
وأضافت أن ” تصاعد حدة الاحتجاجات وكيفية تعامل الشرطة معها لاشك أنه كان بمثابة مفاجأة للكثيرين في واشنطن، لاسيما وأن تركيا بات ينظر إليها من قبل واشنطن وكأنها الشريك والنموذج المثالي والأكثر ديمقراطية من ذي قبل ”.
وأكدت المجلة أن هناك جزءا من الحقيقة في هذه المزاعم، يتمثل في أنه في ظل حكم العدالة والتنمية أصبحت أعدادا غير مسبوقة من الأتراك محتشدة سياسيا وأكثر نجاحا، وتضاعف حجم الاقتصاد التركي ثلاث مرات في الفترة ما بين عامي 2002 -2011، وصوت 87% من الأتراك في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، مقارنة بــ 79% في انتخابات عام 2002 التي وصل من خلالها حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم .
وقالت أن ” هذه التعبئة السياسية لم تصاحبها الإمكانية اللازمة لخوض لعبة السياسة؛ ففي الواقع، كان العكس هو الصحيح، فهذا الأمر مهد الطريق لحزب العدالة والتنمية لتعزيز قبضته على السلطة وتحويل تركيا إلى دولة الحزب الواحد ”.. مشيرة إلى أن المفارقة تكمن في أن حزب العدالة والتنمية أسس نظاما غير ليبرالي، في الوقت الذي تمسكت فيه واشنطن بتركيا كونها نموذجا لدول الربيع العربي في فترة ما بعد الانتفاضات”.
واعتبرت مجلة ”فوين بوليسي” الأمريكية أن تجاهل واشنطن لتصاعد دور الحكومة التركية المناهض للديمقراطية كان متعمدا ليصب ذلك في صالح حديثها عن ”المعجزة التركية”. لافتة إلى أنه على مدى العقد الماضي شكل حزب العدالة والتنمية ائتلافا حزبيا غير رسمي وقويا من رجال الأعمال ووسائل الإعلام التي تعتمد في سبل معيشتها على النظام السياسي الذي أسسه أردوغان، لذا كان من المتوقع أن يتم التعتيم على الاحتجاجات .
وأشارت إلى ديناميكية الرقابة التركية على الصحافة والترهيب، حيث يتم استهداف وسائل الإعلام التي تنتقد الحكومة وأدت إلى إقالة العديد من الصحفيين الموهوبين الذين تحدوا الحكومة ..مؤكدة أن هذا النوع من الترهيب والترويع الخفي للحكومة غير معقول في مجتمع يزعم أنه يقوم على الديمقراطية.
ورجحت المجلة أن الإصلاحات الديمقراطية التي قام بها حزب العدالة والتنمية كانت من أجل تلبية متطلبات الاتحاد الأوروبي للحصول على العضوية فقط، فضلا عن أن تحول تركيا إلى دولة الحزب الواحد قوض فكرة أن الديمقراطيات الناجحة توفر لمواطنيها سبلا للتعبير عن رغباتهم ومطالبهم قبل إجراء الانتخابات، وقد فشلت تركيا بشكل مذهل في هذا الصدد.
وتساءلت المجلة بشأن ما إذا كان حزب العدالة والتنمية سيتعلم بعض الدروس المهمة من حشود المواطنين في الشوارع أو أنه سيستمر في تكرار النظرية القائلة بأن ”الانتخابات تمنح الحكومة الحق في فعل أي شيء يحلو لها”.
وقالت إن ” كلا من حزب العدالة والتنمية وواشنطن يحتاج إلى إعادة تقييم سياساته، فالوقت قد حان ليدرك البيت الأبيض أن خطاب أردوغان الديمقراطي تجاوز إلى حد كبير الواقع، وقد تتملكه الرغبة لحث الحكومة التركية لتولى اهتماما بمطالب مواطنيها كما حدث في العالم العربي، لاسيما وأن تصرفات تركيا حاليا لا تعدو كونها ديمقراطية صناديق الاقتراع فقط ”.
مصراوي






